بوابة الدولة
الخميس 5 نوفمبر 2026 01:51 مـ 24 جمادى أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
”معلومات الوزراء” يستعرض تحدي تمويل كهرباء مراكز البيانات في إفريقيا وسط توقعات بتضاعف استهلاكها عالميًا بحلول 2030 العلوم الصحية تستعرض دور التقنيات الحديثة في الاكتشاف المبكر للأمراض بالمؤتمر الدولة الخامس للأشعة وزير التموين: جاهزية 116 منفذًا جديدًا للمشاركة في مبادرة خفض أسعار السلع اعتبارًا من اليوم محمد عوض: الرخصة الذهبية أداة مهمة لتسريع تنفيذ المشروعات وجذب الاستثمارات إلى مصر وزارة التموين: استمرار مبادرة خفض الأسعار حتى مارس 2027 بتخفيضات 25% 6 آلاف مصنع و1000 مشروع بالقرى.. الحكومة تعلن خريطة الحوافز الصناعية حتى 2030 النائب أحمد قورة يكتب: بعد الهزيمة.. ترامب محاصر بين غضب الداخل وترقب الشعوب العربية! الطاقة الشمسية والمتجددة تفتح آفاقا جديدة لزيادة الصادرات المصرية إلى ألمانيا وأوروبا ربيع الأسهم المصرية.. رأس المال السوقي للبورصة يطير لـ15.2% من الناتج المحلي مركز المناخ: انتهاء الموجة الحارة وبداية انخفاض درجات الحرارة سعر الأسمنت اليوم الخميس 5 نوفمبر 2026.. ثبات الأسعار تعرف على سعر الدولار مقابل الجنيه قبل بدء التداول عليه

النائب أحمد قورة يكتب: بعد الهزيمة.. ترامب محاصر بين غضب الداخل وترقب الشعوب العربية!

النائب أحمد قورة
النائب أحمد قورة

لم تكن هزيمة الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد خسارة لمقاعد في مجلسي النواب والشيوخ بالكونجرس الأمريكي، ولا مجرد انتقال للأغلبية من حزب إلى آخر، وإنما حملت رسالة سياسية مدوية من الناخب الأمريكي إلى دونالد ترامب، مفادها أن صناديق الاقتراع تظل قادرة على إعادة رسم موازين القوة، مهما بلغت الأموال التي تُضخ في الحملات الانتخابية، ومهما امتلك المرشحون من نفوذ سياسي وإعلامي.

لقد جاءت الموجة الديمقراطية أوسع من توقعات كثيرين، ونجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في مشهد يعكس حجم الغضب داخل قطاعات من المجتمع الأمريكي تجاه سياسات الإدارة الجمهورية، خاصة ما يتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، والرسوم الجمركية، والحرب مع إيران، وتداعياتها الاقتصادية والعسكرية.

هزيمة المال.. عندما تخسر المليارات أمام إرادة الناخب!

لعل الدرس الأول الذي تفرضه هذه الانتخابات أن المال، مهما تضخم، لا يستطيع شراء إرادة الناخب إلى الأبد، ولا يمكن لمليارات الدولارات أن تحجب عن المواطن حقيقة ما يواجهه في حياته اليومية. فالأمريكي الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع لا ينشغل فقط بالشعارات السياسية، وإنما يسأل نفسه سؤالاً بسيطاً: ماذا تحقق لي؟ وهل أصبحت حياتي أفضل أم أكثر صعوبة؟

واللافت هنا أن الأرقام الخاصة بالإنفاق الانتخابي التي نستشهد بها تتعلق بسباقات مجلس الشيوخ الأمريكي وحدها، ولا تمثل إجمالي الإنفاق على انتخابات التجديد النصفي بمجلسي النواب والشيوخ. فقد بلغ حجم الإنفاق في سباقات مجلس الشيوخ الـ35 نحو 2.91 مليار دولار، منها قرابة 901 مليون دولار أنفقتها حملات المرشحين، وأكثر من ملياري دولار أنفقتها اللجان والمجموعات السياسية المستقلة. وهي أرقام تكشف حجم الأموال التي دخلت المعركة الانتخابية، دون أن تنجح في ضمان النتائج التي أرادها أصحابها.

أما سباق مجلس الشيوخ في ولاية ميشيجان، فقد تحول إلى واحدة من أغلى المعارك الانتخابية، بعدما تجاوز إجمالي الإنفاق فيه 336 مليون دولار، منها نحو 70.5 مليون دولار أنفقتها حملات المرشحين، وما يزيد على 266 مليون دولار أنفقتها مجموعات خارجية ولجان سياسية.

وهنا تبدو المفارقة الكبرى؛ فبينما راهن أصحاب المليارات واللجان السياسية على قدرتهم على التأثير في اتجاهات الناخبين، جاءت النتائج لتؤكد أن المال وحده لا يصنع انتصاراً انتخابياً، وأن المواطن قد يعاقب الحزب الحاكم عندما يشعر بأن أولوياته ومصالحه لم تعد في مقدمة الحسابات السياسية.

عبد السعيد.. هزيمة المال السياسي في ميشيجان!

ولعل النموذج الأكثر إثارة في هذه الانتخابات هو فوز المرشح الديمقراطي عبد السعيد (Abdul El-Sayed) بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، بعد تغلبه على منافسه الجمهوري مايك روجرز، ليصبح أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.

ولم يكن فوز عبد السعيد مجرد انتصار انتخابي عادي، بل جاء في مواجهة إنفاق سياسي هائل. فقد أنفقت الجهات المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة العمل السياسي المرتبطة بإيباك، نحو 30 مليون دولار في الانتخابات التمهيدية لمعارضة ترشيحه ودعم منافسته هيلي ستيفنز.

كما تشير بيانات الإنفاق إلى أن مجموعات مؤيدة لإسرائيل أنفقت نحو 22.3 مليون دولار ضد عبد السعيد خلال دورة انتخابات 2026، وفق البيانات المتاحة حتى الأول من نوفمبر.

ورغم هذه الأموال والضغوط، استطاع عبد السعيد الوصول إلى مجلس الشيوخ، في نتيجة تفتح نقاشاً واسعاً حول حدود تأثير جماعات الضغط والمال السياسي في خيارات الناخب الأمريكي.

إنها رسالة واضحة بأن ضخ الأموال لا يضمن بالضرورة إسقاط مرشح، وأن الناخب قد تكون له حسابات مختلفة تماماً عن حسابات أصحاب المصالح وجماعات الضغط.

تكساس وكانساس.. سقوط معاقل جمهورية تاريخية!

ومن أبرز مفاجآت الانتخابات أن الديمقراطيين نجحوا في انتزاع مقاعد بمجلس الشيوخ في ولايات ارتبطت تاريخياً بالتصويت الجمهوري.

ففي ولاية تكساس، فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو على الجمهوري كين باكستون، منهياً غياب الديمقراطيين عن الفوز بمقعد مجلس الشيوخ عن الولاية منذ عام 1988، أي منذ 38 عاماً.

وفي ولاية كانساس، حقق الديمقراطي آدم هاميلتون فوزاً تاريخياً على الجمهوري روجر مارشال، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بمقعد مجلس الشيوخ عن الولاية منذ عام 1932، أي بعد غياب استمر 94 عاماً.

كما امتدت المكاسب الديمقراطية إلى ولايات أخرى، من بينها أوهايو وآيوا وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية، في مشهد يعكس اتساع نطاق التحول الانتخابي.

إن سقوط هذه المعاقل لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تحرك انتخابي عابر، بل هو مؤشر على أن الناخب الأمريكي لم يعد يمنح الحزب الجمهوري تأييداً مضموناً، حتى في الولايات التي اعتاد الحزب الفوز فيها.

ترامب في قلب العاصفة.. وليس المرشحون وحدهم!

الأكثر أهمية أن ترامب لم يعد يستطيع إلقاء مسؤولية الهزيمة على ضعف بعض المرشحين أو أخطاء القيادات الجمهورية. فقد جعل من نفسه محوراً أساسياً للمعركة الانتخابية، وربط نجاح حزبه باستمرار نهجه وسياساته، وبالتالي أصبح من الطبيعي أن يتحمل نصيبه من المسؤولية السياسية عن النتائج.

إن الناخب الأمريكي لم يكن يصوت فقط ضد مرشح جمهوري هنا أو هناك، بل كان يعبر في قطاعات واسعة عن عدم رضاه عن مسار الإدارة الأمريكية. فالحرب مع إيران، وارتفاع أسعار الطاقة، والقلق على الاقتصاد، والجدل حول الرسوم الجمركية، كلها عوامل تداخلت لتصنع حالة من الاستياء انعكست على صناديق الاقتراع.

ولم يكن غريباً أن تشير استطلاعات الناخبين إلى أن تكاليف المعيشة والتضخم والحرب مع إيران كانت من القضايا التي أثرت في اختياراتهم، إلى جانب المطالبات بتشديد الرقابة على أداء الرئيس وإدارته.

وهنا ينبغي أن نتوقف أمام مشهد بالغ الأهمية بالنسبة لشعوب العالم، وخاصة شعوبنا العربية: فالدولة التي تتحدث كثيراً عن الديمقراطية وحرية الاختيار شهدت اختباراً جديداً لقدرة الناخب على محاسبة الحزب الحاكم، مهما كان نفوذه أو حجم إمكاناته المالية.

من البطة العرجاء إلى السيد فيتو!

الآن يجد ترامب نفسه أمام واقع سياسي مختلف تماماً. فبعد أن كان يتمتع بأغلبية جمهورية في مجلسي النواب والشيوخ بالكونجرس الأمريكي، أصبح مضطراً للتعامل مع أغلبية ديمقراطية تملك أدوات الرقابة والتحقيق وتعطيل كثير من التشريعات والتعيينات.

وهنا يعود إلى الواجهة وصف «البطة العرجاء»، وهو التعبير السياسي الأمريكي الذي يطلق على الرئيس عندما تتراجع قدرته على تمرير برنامجه ويفقد حزبه السيطرة على الكونجرس.

لكن ترامب، المعروف بميله إلى المواجهة، يلوح بورقة «السيد فيتو»، أي استخدام حق النقض الرئاسي لمنع تمرير التشريعات التي لا تتفق مع توجهاته. غير أن هذه الورقة ليست سلاحاً مطلقاً، إذ يستطيع الكونجرس تجاوز الفيتو بأغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ.

ومع بدء عمل الكونجرس الجديد في يناير 2027، ستكون الإدارة الأمريكية أمام رقابة أكثر صرامة، وتحقيقات محتملة في ملفات متعددة، كما ستصبح المواجهة بشأن الميزانية والتعيينات والقرارات الحكومية أكثر تعقيداً.

وسيكون الديمقراطيون قادرين على استخدام رئاسة اللجان البرلمانية وأدوات الاستدعاء والتحقيق لمراجعة أداء الإدارة وفتح ملفاتها، وهو ما يضع ترامب أمام عامين مختلفين تماماً عن العامين الماضيين.

وماذا عن الشرق الأوسط وفلسطين وإيران؟

بالنسبة لشعوبنا العربية، فإن أهمية هذه النتائج لا تتوقف عند حدود الصراع الحزبي الأمريكي، وإنما تمتد إلى التساؤل عن انعكاساتها على السياسة الخارجية لواشنطن.

فالشعوب العربية التي تابعت مواقف الإدارة الأمريكية من الحرب في غزة، والدعم العسكري لإسرائيل، والتوترات الإقليمية، تدرك أن تغيير الأغلبية في الكونجرس لا يعني بالضرورة تغييراً فورياً في السياسة الأمريكية، لكنه يفتح الباب أمام نقاش أوسع ومساءلة أكبر بشأن المساعدات العسكرية والقرارات الخارجية وتكاليف الحروب.

كما أن الحرب مع إيران أصبحت واحدة من أكثر القضايا حساسية أمام ترامب، بعدما ارتبطت بتكاليف اقتصادية وارتفاع أسعار الوقود ومخاوف من اتساع المواجهة. وقد أقر ترامب بأن الحرب كان لها دور في خسارة الجمهوريين، بينما اعتبر نائبه جي دي فانس أن الحرب كانت سبباً رئيسياً في الهزيمة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتوقع الشعوب العربية أن الديمقراطيين سيغيرون تلقائياً كل السياسات الأمريكية تجاه المنطقة، فالمواقف المتعلقة بإسرائيل وفلسطين وإيران تحكمها حسابات استراتيجية ومصالح ومواقف حزبية متداخلة، ولا تتغير بمجرد انتقال الأغلبية البرلمانية.

رسالة الصندوق.. لا أحد فوق المحاسبة!

إن الدرس الأهم الذي خرجت به الانتخابات الأمريكية أن القوة السياسية ليست شيكاً على بياض، وأن التفويض الشعبي ليس دائماً، وأن الشعوب تملك، عبر صناديق الاقتراع، وسيلة لمراجعة اختياراتها ومحاسبة من يتولى السلطة.

وبالنسبة لترامب، فإن التحدي الحقيقي لم يعد مجرد الدفاع عن حزبه أمام خصومه، وإنما مواجهة مرحلة سياسية جديدة تتراجع فيها قدرته على تمرير أجندته دون مقاومة برلمانية.

أما الشعوب العربية، فمن حقها أن تتابع هذه التحولات باهتمام، وأن تتطلع إلى سياسة أمريكية أكثر احتراماً لحقوق الشعوب وسيادة الدول، وأكثر إنصافاً للقضية الفلسطينية، وأبعد عن منطق الحروب والضغوط وفرض الإرادة بالقوة.

فالعبرة ليست في أن يخسر حزب ويفوز آخر، وإنما في أن تتحول المحاسبة الانتخابية إلى سياسات تحترم مصالح الشعوب، لا أن تظل مجرد تبديل للأسماء والوجوه داخل مؤسسات الحكم.

السؤال هل يتعلم ترامب من رسالة الناخب الأمريكي، أم يختار طريق المواجهة مع الكونجرس الجديد؟ الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت الهزيمة بداية مراجعة سياسية، أم بداية معركة أمريكية مفتوحة بين البيت الأبيض والكونجرس.

كاتب المقال النائب احمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق

موضوعات متعلقة