بوابة الدولة
الجمعة 31 يوليو 2026 05:08 صـ 15 صفر 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

النائب أحمد قورة يكتب: أبطال دمياط وصناعة المجد

النائب أحمد قورة
النائب أحمد قورة

في الأوطان لحظات لا تُقاس بالدقائق والساعات، وإنما تُقاس بما يصنعه الرجال عندما يواجهون الخطر بقلوب مؤمنة وعقول واعية وإرادة لا تعرف التراجع. وفي ميناء دمياط، لم يكن المشهد مجرد تعامل مع حادث طارئ، بل كان درسًا عمليًا في الوطنية والانضباط والاحترافية، جسده رجال حملوا أرواحهم على أكفهم ليحموا ميناءً يمثل شريانًا اقتصاديًا مهمًا للدولة المصرية، وليثبتوا أن مصر تمتلك أبناءً قادرين على مواجهة أصعب التحديات مهما بلغت خطورتها.

لقد جاءت زيارة الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقلوالمواصلات ، إلى ميناء دمياط عقب انتهاء اجتماع مجلس الوزراء مباشرة، لتؤكد أن الدولة المصرية لا تنسى أبناءها المخلصين، ولا تتأخر في تكريم من يكتبون صفحات المجد بعرقهم وشجاعتهم وإخلاصهم. فالوزير لم يذهب ليؤدي واجبًا بروتوكوليًا، وإنما ذهب حاملاً رسالة تقدير وعرفان من السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أبطال أطقم القاطرات البحرية الذين سطروا ملحمة وطنية ستظل محل فخر لكل مصري.

إن أعظم ما يميز الدول القوية هو أنها تعرف قيمة الإنسان المخلص، وتدرك أن البطولات لا تُصنع بالكلمات، وإنما بالفعل في ميادين العمل. ومن هنا جاءت كلمات الرئيس التي نقلها وزير النقل لتمنح هؤلاء الأبطال وسامًا معنويًا يساوي أرفع الأوسمة، لأن التقدير الصادر من قيادة الدولة يؤكد أن ما قدموه لم يكن مجرد أداء وظيفي، بل بطولة حقيقية أنقذت الأرواح، وحمت المنشآت، وصانت مقدرات الوطن.

لقد كانت الساعات التي شهدها ميناء دمياط عصيبة بكل المقاييس. فالتعامل مع سفينتي التغويز والتخزين في ظل اندلاع الحريق كان يتطلب قرارًا سريعًا، وخبرة استثنائية، وشجاعة نادرة. وهنا ظهر المعدن الحقيقي لرجال القاطرات البحرية الذين تعاملوا مع الموقف بثبات أعصاب وإيمان كامل برسالتهم الوطنية.

نجح الفريق الأول باستخدام أربع قاطرات بحرية في تأمين خروج سفينة التخزين إلى مسافة آمنة تجاوزت عشرة كيلومترات خارج الميناء، بينما تحرك فريق آخر بأربع قاطرات إضافية للسيطرة على الحريق وتأمين سفينة التغويز وسحبها بعيدًا عن الأرصفة لمسافة كبيرة في عرض البحر، وسط ظروف شديدة الخطورة، قبل أن تستمر أعمال الإطفاء بمدافع المياه حتى تمت السيطرة الكاملة على النيران.

إنها ليست مجرد عملية إنقاذ، بل نموذج عالمي في إدارة الأزمات البحرية، يؤكد أن الكوادر المصرية أصبحت تمتلك من الخبرات والإمكانات ما يؤهلها للتعامل مع أعقد المواقف بأعلى درجات الكفاءة والاحترافية. لقد أثبت رجال ميناء دمياط أن التدريب الجيد والانتماء الصادق للوطن يصنعان المعجزات عندما تدق ساعة المواجهة.

ولا يمكن قراءة هذا المشهد بعيدًا عن الرؤية الشاملة التي تتبناها الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لتطوير قطاع النقل البحري والموانئ، فما تحقق في دمياط لم يكن وليد الصدفة، وإنما ثمرة سنوات من العمل والتطوير، وتحديث المعدات، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتأهيل العنصر البشري، حتى أصبحت الموانئ المصرية تمتلك القدرة على مواجهة مختلف التحديات وفق أحدث المعايير العالمية.

وقد أحسن الفريق كامل الوزير حين وصف ما حدث بأنه "ملحمة وطنية"، لأن الكلمة جاءت معبرة عن الحقيقة كاملة. فالملحمة ليست فقط في مواجهة الحريق، وإنما في الإصرار على استمرار العمل وعدم توقف حركة الميناء، واستقبال السفن ومغادرتها وتداول البضائع بكفاءة عالية رغم الظروف الاستثنائية. إنها رسالة للعالم بأن الموانئ المصرية قادرة على العمل في أصعب الظروف دون أن تتأثر حركة التجارة أو تتعطل مصالح الدولة.

كما أن إشادة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بأبطال القاطرات تحمل دلالة كبيرة على أن مؤسسات الدولة تعمل بروح الفريق الواحد، وأن الجميع يقدر قيمة الجهد الوطني الصادق، ويؤمن بأن العامل المصري هو الركيزة الأساسية في مسيرة التنمية والبناء.

إن رجال ميناء دمياط لم يدافعوا عن منشآت أو سفن فحسب، بل دافعوا عن سمعة الدولة المصرية، وعن مكانة موانئها، وعن ثقة المستثمرين وشركات الملاحة العالمية في قدرتها على توفير بيئة آمنة ومستقرة. وما تحقق في تلك الساعات العصيبة يمثل رسالة طمأنينة لكل من يتعامل مع الموانئ المصرية بأن خلف هذه المنشآت رجالًا يعرفون معنى المسؤولية، ويملكون الشجاعة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

لقد أثبتت هذه الأزمة أن الاستثمار الحقيقي ليس في المعدات وحدها، وإنما في الإنسان المصري الذي يبقى دائمًا كلمة السر في كل نجاح. فحين تتكامل القيادة الواعية مع التخطيط السليم والتدريب المستمر، تكون النتيجة رجالًا يصنعون البطولات ويكتبون التاريخ بأفعالهم لا بأقوالهم.

ومن هنا، فإن تحية الرئيس عبد الفتاح السيسي، وإشادة رئيس مجلس الوزراء، وتقدير الفريق كامل الوزير، لم تكن مجرد كلمات، بل اعتراف مستحق برجال قدموا نموذجًا مضيئًا في التفاني والإخلاص، وأكدوا أن مصر تزخر بأبطال يعملون في صمت، ولا ينتظرون إلا أداء واجبهم تجاه وطنهم.

إن ما شهدناه في ميناء دمياط سيظل صفحة مشرقة في سجل الإنجازات الوطنية، ودليلًا جديدًا على أن الجمهورية الجديدة تُبنى بسواعد المخلصين، وأن كل موقع عمل في مصر يمكن أن يتحول إلى ساحة بطولة عندما يتحلى العاملون فيه بالإيمان والانضباط وروح المسؤولية.

تحية تقدير وإجلال لأبطال القاطرات البحرية، ولكل عامل وقف ثابتًا في موقعه حتى انتهت الأزمة بسلام، وتحية لقيادة سياسية تؤمن بأن تكريم المخلصين هو الطريق لترسيخ ثقافة الإنجاز، وبناء وطن لا يعرف المستحيل، وطن ينهض برجاله، ويصنع المستقبل بإرادتهم، ويؤكد في كل يوم أن مصر ستظل قوية بأبنائها، شامخة بعطائهم، وعصية على كل التحديات.

كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق

موضوعات متعلقة