بوابة الدولة
الأحد 23 أغسطس 2026 07:23 مـ 9 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية

دكتور مهندس عارف الشمندي يكتب : الاقتصاد المصري ينمو.. فكيف تصل عوائد التنمية للمواطن؟

دكتور مهندس عارف  الشمندي
دكتور مهندس عارف  الشمندي

بعيدا عن أي قراءة سياسية للمشهد، أحاول في هذا المقال أن أنظر إلى الاقتصاد المصري من زاوية تنموية وتخصصية بحتة، وهي زاوية لا تتوقف عند أرقام النمو والمؤشرات الاقتصادية الكلية وحدها، وإنما تهتم بكيفية تحويل هذه المؤشرات الإيجابية إلى إنتاج وفرص عمل واستثمارات وخدمات أفضل، بما ينعكس في النهاية على جودة حياة المواطن ومستوى معيشته وقدرته على الاستفادة من ثمار التنمية.

وتشهد مؤشرات الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة تحسنا يستحق التوقف أمامه والبناء عليه، فقد سجل الاقتصاد نموا بلغ 5.3% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل نحو 3.5% خلال الفترة المناظرة من العام السابق، وهو أعلى معدل نمو ربع سنوي منذ أكثر من ثلاث سنوات، والأكثر أهمية من وجهة النظر التنموية أن قطاعات إنتاجية وخدمية رئيسية ساهمت في تحقيق هذا النمو، وفي مقدمتها الصناعة التحويلية غير البترولية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة.

وهنا أعتقد أن السؤال الأهم ليس فقط: كم حقق الاقتصاد من نمو؟ وإنما كيف يمكن استثمار هذا النمو وتحويله إلى تنمية مستدامة يشعر المواطن بعوائدها بصورة مباشرة، لأن ارتفاع معدلات النمو وتحسن المؤشرات الاقتصادية لا ينبغي أن يكونا هدفا في حد ذاتهما، وإنما وسيلة لبناء اقتصاد أكثر قوة وتنافسية وقدرة على توفير فرص العمل وتحسين الخدمات ورفع مستوى المعيشة.

وهذا الطرح لا ينتقص بأي حال من أهمية المؤشرات الاقتصادية الكلية، بل على العكس تماما، فالاستقرار الاقتصادي وتحسن معدلات النمو وزيادة الاستثمارات وتحسن أداء القطاعات الإنتاجية والخدمية تمثل قاعدة أساسية يمكن البناء عليها لتحقيق تنمية أكثر اتساعا واستدامة، بشرط أن يتم توجيه ثمار هذا التحسن نحو زيادة الإنتاج والتشغيل وتحسين جودة الخدمات وتعظيم العائد على الاستثمارات.

من النمو الاقتصادي إلى التنمية الشاملة

هناك فارق مهم بين مفهومي النمو الاقتصادي والتنمية، فالنمو يعبر في أحد أبعاده الرئيسية عن زيادة حجم النشاط الاقتصادي والإنتاج، بينما التنمية مفهوم أكثر شمولية واتساعا، يرتبط بقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل مستدامة، وتحسين الإنتاجية، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز تنافسية المدن والمحافظات، وتحسين جودة الحياة بصورة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ولذلك فإن ارتفاع معدل النمو يمثل بداية جيدة ومؤشرا إيجابيا، لكن القيمة التنموية الأكبر تتحقق عندما يتحول هذا النمو إلى مصانع تعمل وتنتج، وشركات تتوسع وتصدر، واستثمارات جديدة تضخ رؤوس أموال في الاقتصاد، ومشروعات صغيرة ومتوسطة تنمو وتستمر، وفرص عمل مستقرة توفر دخلا مناسبا وتفتح آفاقا جديدة أمام الشباب.

ومن المؤشرات الإيجابية في هذا السياق ارتفاع استثمارات القطاع الخاص بنسبة 25.9% خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، واستحواذه على نحو 66% من إجمالي الاستثمارات المنفذة، وهي إشارة مهمة إلى تنامي دور القطاع الخاص باعتباره شريكا رئيسيا في عملية التنمية الاقتصادية، وقادرا على المساهمة بصورة أكبر في زيادة الإنتاج وخلق فرص العمل وتحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية.

الإنتاج والتصدير والتشغيل

في تقديري، هناك ثلاثة محاور يمكن أن تشكل أساسا مهما للمرحلة المقبلة من عملية التنمية الاقتصادية، وهي الإنتاج والتصدير والتشغيل، لأن تحقيق تقدم حقيقي في هذه المحاور الثلاثة من شأنه أن يساعد على تحويل النمو الاقتصادي من مجرد أرقام ومؤشرات إلى نشاط اقتصادي ملموس يشعر المواطن بآثاره بصورة تدريجية.

فزيادة الإنتاج المحلي لا تعني فقط زيادة الناتج، وإنما تعني كذلك تقليل الاعتماد على الواردات، وتعميق المكون المحلي، وخلق سلاسل توريد جديدة، وزيادة الطلب على العمالة والخدمات، وهو ما يؤدي في النهاية إلى توسيع قاعدة الاقتصاد وزيادة قدرته على مواجهة الأزمات والمتغيرات الخارجية.

أما زيادة الصادرات فتمثل أحد أهم المصادر المستدامة للنقد الأجنبي، كما أنها تعزز قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع المتغيرات الخارجية، وتفتح المجال أمام الشركات المصرية للوصول إلى أسواق جديدة، وتدفعها إلى تحسين جودة منتجاتها ورفع قدرتها التنافسية والالتزام بالمعايير العالمية.

ويبقى التشغيل هو الحلقة الأهم التي تصل بين تحسن الاقتصاد وحياة المواطن، لأن أحد أهم العوائد الاجتماعية لأي استثمار جديد يتمثل في قدرته على توفير فرصة عمل منتجة ومستدامة، ولذلك فإن نجاح أي سياسة اقتصادية يجب ألا يقاس فقط بحجم الأموال التي تم ضخها، وإنما أيضا بعدد فرص العمل التي خلقتها ونوعية هذه الوظائف ومستوى الدخول التي توفرها للعاملين.

ومن هنا تبرز أهمية توجيه مزيد من الاستثمارات إلى الصناعات والأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، خاصة الصناعات التصديرية، والتكنولوجيا والاتصالات، والصناعات الغذائية والدوائية والهندسية، والخدمات الرقمية والتعهيد، إلى جانب السياحة واللوجستيات وغيرها من القطاعات التي تمتلك فيها مصر مزايا تنافسية حقيقية يمكن استثمارها لتحقيق قيمة مضافة أعلى وفرص عمل أكثر.

المدينة جزء من الاقتصاد

ومن زاوية تخصصية، أعتقد أننا بحاجة إلى النظر بصورة أكبر إلى التنمية العمرانية باعتبارها جزءا أصيلا من السياسة الاقتصادية وليست ملفا منفصلا عنها، فالمدينة الجيدة التخطيط لا توفر فقط بيئة عمرانية أفضل للمواطن، وإنما تستطيع أيضا أن ترفع إنتاجية الاقتصاد وتخفض تكلفة ممارسة الأنشطة الاقتصادية والخدمية.

فعندما يصبح الانتقال بين السكن والعمل أكثر سهولة، وعندما تتكامل شبكات النقل مع مناطق الإنتاج، وعندما تتوزع الخدمات وفرص العمل بصورة أكثر توازنا، وعندما ترتبط المدن الجديدة بمراكز النشاط الاقتصادي، فإننا لا نحسن شكل المدينة فقط، وإنما نخفض كذلك تكلفة النشاط الاقتصادي وتكلفة الحياة، ونوفر بيئة أكثر جاذبية للاستثمار والإنتاج والعمل.

ولهذا أصبحت مفاهيم مثل المدن الذكية، والتنمية الموجهة بالنقل، والمدن المنتجة، وكفاءة استخدام الأراضي، والاقتصاد الحضري، جزءا أساسيا من سياسات التنمية في العديد من دول العالم، لأنها تربط بين التخطيط العمراني والنشاط الاقتصادي، وتتعامل مع المدينة باعتبارها محركا للإنتاج والاستثمار وليس مجرد تجمع سكاني.

وقد استثمرت مصر خلال السنوات الماضية بصورة واسعة في البنية الأساسية وشبكات الطرق والنقل والمدن الجديدة، وأرى أن الفرصة الحالية تتمثل في تعظيم العائد الاقتصادي والتنموي من هذه الاستثمارات، من خلال جذب الأنشطة الإنتاجية والخدمية والاستثمارات وفرص العمل إلى المناطق التي تم تطويرها، وربط البنية الأساسية الجديدة بمشروعات اقتصادية قادرة على توليد قيمة مضافة حقيقية.

لكل محافظة ميزتها التنافسية

ومن القضايا التي تستحق مزيدا من الاهتمام أيضا البعد المكاني للتنمية، فمصر دولة كبيرة ومتنوعة، ولا يمكن أن يكون النموذج التنموي نفسه مناسبا لجميع المحافظات، لأن لكل محافظة طبيعتها ومواردها وموقعها الجغرافي وطاقاتها البشرية ومقوماتها الاقتصادية التي يمكن البناء عليها.

فهناك محافظات تمتلك قاعدة زراعية قوية يمكن البناء عليها في الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعي، ومحافظات تمتلك مقومات سياحية متميزة، وأخرى لديها فرص لوجستية أو صناعية أو تعدينية، بينما يمكن لبعض المدن أن تتحول إلى مراكز للخدمات التكنولوجية والتعهيد، وهو ما يتطلب رؤية مختلفة للتنمية تتعامل مع كل منطقة وفقا لمزاياها وقدراتها الحقيقية.

ومن هنا أرى أهمية أن يكون لكل محافظة ملف اقتصادي واضح يحدد ميزتها التنافسية والقطاعات الأكثر قدرة على جذب الاستثمار وتوفير فرص العمل بها، بحيث تصبح لدى المستثمر صورة واضحة عن طبيعة الفرص المتاحة، وتتحول المحافظات تدريجيا إلى مراكز إنتاجية متخصصة تدعم الاقتصاد الوطني وتزيد من قدرته على المنافسة.

وبذلك تصبح التنمية المحلية جزءا أساسيا من عملية النمو الاقتصادي الوطني، وليست مجرد مجموعة من المشروعات المنفصلة، لأن تحقيق التوازن بين المحافظات وتوسيع قاعدة الإنتاج والاستثمار خارج المراكز التقليدية من شأنه أن يفتح مجالات جديدة للتنمية ويخفف الضغوط عن المدن الكبرى.

قياس العائد التنموي للنمو

وربما نحتاج كذلك إلى توسيع طريقة قياس نجاح السياسات الاقتصادية، فإلى جانب مؤشرات الناتج والاستثمار والتضخم والصادرات وغيرها من المؤشرات الأساسية، يمكن الاهتمام بصورة أكبر بما يمكن أن نسميه «العائد التنموي للنمو»، أي قياس حجم الفائدة الحقيقية التي تنتقل من تحسن الاقتصاد إلى المجتمع والمواطن.

وبمعنى أكثر وضوحا، فإنه مع كل زيادة في الاستثمار أو الناتج ينبغي أن نسأل: كم فرصة عمل تم توفيرها؟ وكم زادت الصادرات؟ وكم ارتفعت نسبة المكون المحلي؟ وما حجم الاستثمارات الجديدة التي تم جذبها؟ وما عدد الشركات التي توسعت؟ وما نصيب المحافظات المختلفة من فرص التنمية والاستثمار؟ وكيف انعكس ذلك على جودة الخدمات ومستوى المعيشة؟

وهذه المؤشرات لا تلغي أهمية المؤشرات الاقتصادية التقليدية، وإنما تكملها وتساعد متخذ القرار على معرفة ليس فقط حجم النمو، وإنما جودة هذا النمو وأثره التنموي، وهو أمر بالغ الأهمية إذا أردنا أن ننتقل من مرحلة تحسين المؤشرات الاقتصادية إلى مرحلة تعظيم العائد الاجتماعي والاقتصادي لهذا التحسن.

المواطن هو الغاية النهائية للتنمية

وفي النهاية، فإن الهدف من كل السياسات الاقتصادية والتنموية يظل واحدا، وهو تحسين جودة حياة الإنسان، فالمواطن لا يتابع بالضرورة تفاصيل أرقام الناتج المحلي ومعدلات الاستثمار والتضخم والصادرات، لكنه يشعر بنتائج هذه المؤشرات عندما تتوافر أمامه فرصة عمل أفضل، وتتحسن الخدمات، وتزداد قدرة الاقتصاد على الإنتاج، وتصبح مدينته أكثر كفاءة، وترتفع قدرته الحقيقية على تلبية احتياجات أسرته.

لقد قطعت مصر شوطا كبيرا في إنشاء وتطوير البنية الأساسية، وبدأت المؤشرات الاقتصادية الأخيرة تحمل إشارات إيجابية يمكن البناء عليها، والمرحلة المقبلة تمثل فرصة مهمة لتعظيم العائد من هذه البنية، وزيادة الإنتاج والصادرات، وجذب الاستثمارات، وتمكين القطاع الخاص، وتوسيع قاعدة التنمية في المحافظات، وربط المشروعات القومية بمشروعات إنتاجية توفر قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.

فالتنمية في مفهومها الحقيقي ليست رقما اقتصاديا فقط، وإنما مصنع ينتج، وشركة تصدر، واستثمار يولد قيمة مضافة، وشاب يجد فرصة عمل، ومدينة تعمل بكفاءة، وخدمات تتحسن، وأسرة تشعر تدريجيا بثمار التحسن الاقتصادي، وعندما تتكامل هذه العناصر يصبح النمو الاقتصادي وسيلة حقيقية لتحقيق التنمية الشاملة وليس مجرد ارتفاع في المؤشرات.

وهنا يصبح نجاح الاقتصاد نجاحا للتنمية، وتتحول المؤشرات الإيجابية إلى واقع ملموس في حياة المواطن المصري، وتنتقل مصر من مرحلة تحسين الأرقام والمؤشرات إلى مرحلة أكثر أهمية، وهي تعظيم العائد من هذا التحسن وتحويله إلى إنتاج وفرص عمل واستثمارات وخدمات أفضل، بما يرسخ مسار التنمية المستدامة ويجعل المواطن شريكا ومستفيدا حقيقيا من ثمار النمو.

موضوعات متعلقة