بوابة الدولة
الأحد 23 أغسطس 2026 08:03 مـ 9 ربيع أول 1448 هـ
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحريرصالح شلبي
مستشار التحريرمحمود نفادي
بوابة الدولة الاخبارية
وزير التموين: أصحاب المخابز شركاء أساسيون في منظومة الخبز.. وانتظام الإنتاج والتوزيع ضبط قائد ميكروباص تعاطى مخدرات وتسبب في حادث وسبّ مواطن بالإسكندرية كجوك: اقتصادنا بدأ يتحسن.. والقطاع الخاص ينمو ويستحوذ على 60 % من الاستثمارات وزير الزراعة يستقبل سفير مصر الجديد بأوغندا لتعزيز التعاون الزراعي والتبادل التجاري والتدريب محافظ الشرقية: تسجيل ١٤ الفا و٤٨١ عقدا لتقنين أوضاع واضعى اليد على أملاك الدولة السلاح، محمد السيد يواجه بطل إيطاليا في دور الـ 16 بدورة ألعاب البحر المتوسط عرض جديد، توتنهام يغازل السيتي من أجل عيون “مرموش” معتمد جمال يجتمع مع ناصر منسي لمناقشة أزمة إهدار الفرص ”جوميا مصر” تطلق مبادرة لضم 5,000 بائع جديد إلى منصتها قبل نهاية 2026 لدعم نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة القائم بأعمال السفير الأمريكي: ندعم تطوير مصر للبنية التحتية البحرية سكرتير الدقهلية المساعد يستعرض معدلات إصدار تراخيص المحال العامة| صور مسئول أمريكى: موقع مصر المميز يجعلها عنصرا مهما فى حركة التجارة العالمية

الدكتورة نادية هنري تكتب: قبل أن يصبح الكربون فاتورة كانت القمامة فرصة

الدكتورةنادية هنرى
الدكتورةنادية هنرى

منذ ما يقرب من عشر سنوات، ظهرت تجربة «افصلها» كفكرة مصرية تحمل رؤية مختلفة تماما للتعامل مع المخلفات، فلم تكن القمامة في هذه الرؤية عبئا يجب التخلص منه بأسرع وقت، وإنما موردا اقتصاديا يمكن أن يتحول إلى خامات وصناعة وفرص عمل ودخل للمواطن، وهي الفكرة التي طرحتها النائبتان شيرين فراج ونادية هنري، عندما كان الحديث عن الاقتصاد الدائري والاستدامة والبصمة الكربونية لا يزال بعيدا عن تفاصيل الحياة اليومية للمصريين.

كانت الفكرة بسيطة في شكلها لكنها عميقة في مضمونها، وهي أن تبدأ عملية الفصل من المنبع داخل المنزل، بحيث يدرك المواطن أن ما يضعه في كيس القمامة ليس كله «زبالة»، وإنما توجد مواد لها قيمة ويمكن إعادة استخدامها وتدويرها، فالورق والبلاستيك والزجاج والمعادن وغيرها من المخلفات يمكن أن تتحول من مواد مهملة إلى خامات تدخل في صناعات جديدة، وتخلق قيمة مضافة وفرص عمل وتقلل من استنزاف الموارد، وهو ما يجعل إدارة المخلفات جزءا من الاقتصاد وليس مجرد ملف خدمي.

ومن هنا جاءت فكرة أكشاك شراء المخلفات المفروزة من المواطنين، ولم يكن المقصود إنشاء «أكشاك قمامة» بالمعنى التقليدي، وإنما إقامة نقطة داخل منظومة اقتصادية متكاملة يبدأ فيها المواطن بالفصل، ثم يقوم الكشك بشراء المخلفات، وبعد ذلك تنتقل الخامات إلى مصانع التدوير التي تعيد إنتاجها، فتستفيد الدولة من نظافة الشوارع، ويحصل المواطن على عائد مالي، ويجد الشباب فرصا للعمل، وتحصل الصناعة على خامات بدلا من إهدارها، بينما تستفيد البيئة من تقليل حجم المخلفات التي تمثل عبئا متزايدا.

والأهم في تجربة «افصلها» أنها لم تعتمد على الوعظ وحده لتغيير سلوك المواطن، بل قدمت له حافزا اقتصاديا مباشرا، فبدلا من مطالبة الأسرة بفصل المخلفات باعتبار ذلك واجبا وطنيا فقط، كانت الرسالة أكثر واقعية وتأثيرا، وهي أن تفصل الأسرة مخلفاتها لأنها تستطيع الاستفادة منها والحصول على مقابل مادي، وبذلك يتحول السلوك البيئي من عبء إضافي على المواطن إلى مصلحة مشتركة تجمع بين النظافة والدخل وحماية البيئة.

ورغم أن التجربة توقفت، فإن السؤال الذي تفرضه الظروف الحالية لم يعد هو البحث عن المسؤول عن توقفها، وإنما كيف يمكن الاستفادة من الفكرة وتطويرها بما يتناسب مع مصر في عام 2026، خاصة أن أزمة المخلفات ما زالت قائمة، وما زال جزء كبير من المواد القابلة لإعادة الاستخدام والتدوير يفقد قيمته بسبب اختلاطه منذ البداية، بينما تنفق الدولة موارد على جمع ونقل ومعالجة مخلفات كان يمكن تحويل جزء منها إلى مورد اقتصادي حقيقي.

وفي السنوات الأخيرة تغير العالم بصورة كبيرة، فلم يعد الاقتصاد الأخضر ترفا، ولم تعد البصمة الكربونية مجرد مصطلح يتردد في مؤتمرات المناخ، بل أصبحت الانبعاثات جزءا من المعادلة التجارية الدولية، ومع التطبيق النهائي لآلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية منذ يناير 2026، أصبح واضحا أن المنتج في الأسواق العالمية لن يقاس بسعره وجودته فقط، وإنما بالطريقة التي أنتج بها وحجم الانبعاثات المرتبطة بإنتاجه، وهو ما يجعل ملف المخلفات مرتبطا بصورة مباشرة بقدرة الاقتصاد المصري على المنافسة والتصدير.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن الربط بين كيس القمامة داخل المنزل المصري وبين طن الحديد أو أي منتج صناعي مصري يتجه إلى الأسواق الأوروبية أمر بعيد، لكن العلاقة في الحقيقة وثيقة، لأن إهدار المواد القابلة للتدوير يعني الحاجة إلى استخراج موارد جديدة، وزيادة استهلاك الطاقة والمواد الخام، وارتفاع الانبعاثات، بينما إعادة تدوير هذه المواد تعني الاحتفاظ بها داخل دورة الإنتاج وتقليل الضغط على الموارد والطاقة، ولذلك لم يعد الاقتصاد الدائري قضية نظافة فقط، وإنما أصبح جزءا من القدرة التنافسية للاقتصاد المصري في الأسواق العالمية.

ولذلك نحن لسنا بحاجة إلى اختراع العجلة من جديد، لأن مصر تمتلك تجربة سابقة وفكرة تم اختبارها على أرض الواقع، كما تمتلك مواطنين يمكن تحفيزهم اقتصاديا، وشبابا يمكن أن يعملوا في الجمع والفرز والتدوير، وصناعات تحتاج إلى الخامات، ودولة تحتاج إلى خفض تكلفة إدارة المخلفات، واقتصادا يحتاج إلى كل فرصة استثمار ومصدر دخل ممكن، خاصة في ظل الضغوط العالمية الجديدة المرتبطة بالكربون والطاقة وشروط الأسواق الكبرى.

وما نحتاجه اليوم ليس إعادة أكشاك «افصلها» القديمة بالصورة نفسها، وإنما إطلاق «افصلها 2.0» كمنظومة حديثة تستفيد من التكنولوجيا وتربط المواطن بالسوق، تبدأ بالفصل من المنبع، وتقدم سعرا عادلا وشفافا للمخلفات، وتوفر تطبيقا إلكترونيا يستطيع المواطن من خلاله معرفة قيمة ما يبيعه، مع إنشاء نقاط تجميع منتشرة وربط شركات التدوير بعقود شراء واضحة، وإدماج جامعي القمامة في المنظومة باعتبارهم جزءا أصيلا منها، إلى جانب توفير التمويل للشباب والمشروعات الصغيرة ومنح حوافز للأسر والمدارس والمطاعم والمصانع التي تلتزم بالفصل.

والهدف الحقيقي لم يكن يوما بيع القمامة، وإنما تغيير نظرة المواطن المصري إلى ما يضعه في كيس القمامة، بحيث يدرك أن الشيء الذي يرميه قد تكون له قيمة، وأن ما له قيمة يمكن أن يتحول إلى خامة، والخامة يمكن أن تصبح صناعة، والصناعة يمكن أن تخلق فرص عمل ودخلا، والتدوير يمكن أن يقلل استنزاف الموارد، وتقليل استنزاف الموارد يمكن أن يخفض الانبعاثات، وخفض الانبعاثات أصبح اليوم أحد شروط المنافسة في الأسواق العالمية، وهكذا يمكن أن يمتد الخيط من سلة القمامة في البيت إلى قدرة مصر على إنتاج وتصدير منتجات أكثر تنافسية.

اليوم لا نحتاج إلى استعادة الماضي لمجرد استعادة تجربة سابقة، وإنما نحتاج إلى استعادة الفكرة وتطويرها لأن الوقت لم يعد في صالح الاقتصادات التي تهدر مواردها، فالعالم يتحرك بسرعة، والكربون أصبح له سعر، والطاقة أصبحت عنصرا حاسما في المنافسة، والاقتصاد الدائري يتحول إلى ضرورة، والأسواق الكبرى تضع شروطا بيئية متزايدة على المنتجات التي تدخل إليها، ولذلك لم يعد مقبولا أن نتعامل مع القمامة باعتبارها شيئا نريد فقط التخلص منه، بل علينا أن نسأل كم تساوي، وكم فرصة عمل يمكن أن تصنعها، وكم خامة يمكن أن توفرها، وكم طاقة يمكن أن نوفرها، وكم انبعاثا يمكن أن نخفضه، وكم دولارا يمكن أن نكسبه.

ربما حان الوقت إذن للعودة إلى الفكرة التي سبقت زمنها، «افصلها... لا ترمها»، ولكن هذه المرة برؤية اقتصادية وبيئية وتكنولوجية متكاملة، لأن الهدف لم يعد مجرد شارع أكثر نظافة أو مدينة أقل تلوثا، وإنما بناء اقتصاد مصري أكثر كفاءة في استخدام موارده، وأكثر قدرة على خلق فرص العمل، وأكثر استعدادا لمواجهة متطلبات الأسواق العالمية، فقبل أن يصبح الكربون فاتورة تدفعها الصناعة المصرية، كانت القمامة فرصة ضائعة يمكن أن تتحول اليوم إلى واحدة من أدوات حماية الاقتصاد وزيادة قدرته على المنافسة.

موضوعات متعلقة