الكاتبة الصحفية فاطمة الدالي تكتب : د عبلة الألفي صوت مصر المشرّف.. رؤية واعية تضع مستقبل الشيخوخة السكانية في أفريقيا والعالم تحت الضو
ليست كل القضايا السكانية مجرد أرقام وإحصاءات، فهناك ملفات تحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وعقل يمتلك القدرة على قراءة المستقبل، وإرادة تضع الإنسان وكرامته في مقدمة الأولويات. ومن هذا المنطلق، جاءت كلمة الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان لشؤون السكان والتنمية الأسرية، خلال مشاركتها في حوار مستقبل الديموغرافيا بالعاصمة الإيفوارية أبيدجان، لتقدم نموذجًا متميزًا للفكر الواعي والرؤية الاستراتيجية في التعامل مع واحدة من أهم القضايا التي تواجه المجتمعات الأفريقية والعالم، وهي الشيخوخة السكانية.
لقد نجحت الدكتورة عبلة الألفي في طرح قضية شديدة الأهمية، تتجاوز حدود الرعاية الصحية التقليدية، لتضع أمام صناع القرارعلى مستوى العالم ضرورة إعادة التفكير في شكل العلاقة بين الأجيال، وكيفية بناء منظومة اجتماعية واقتصادية قادرة على حماية كبار السن، وضمان حقوقهم، والاستفادة من خبراتهم، دون تحميل الأجيال الجديدة أعباء تفوق قدراتها.
والحقيقة أن ما طرحته نائب وزير الصحة لم يكن مجرد مشاركة في جلسة دولية أو استعراض لتجربة مصرية، وإنما كان رسالة مهمة تعكس إدراكًا عميقًا للتحولات التي يشهدها العالم، وتؤكد أن التخطيط للمستقبل لا يبدأ عندما تظهر الأزمات، بل عندما نمتلك الشجاعة لقراءة المؤشرات والاستعداد لها مبكرًا.
أرقام عالمية تكشف حجم التحدي.. منظمة الصحة العالمية تدق ناقوس الخطر
ولعل ما يمنح رؤية الدكتورة عبلة الألفي أهمية مضاعفة أن الأرقام الدولية تؤكد أن العالم يقف أمام تحول ديموغرافي غير مسبوق في تاريخ البشرية،فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ارتفع عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر إلى نحو مليار نسمة عام 2020، ومن المتوقع أن يصل إلى 1.4 مليار بحلول عام 2030، ثم يقفز إلى 2.1 مليار بحلول عام 2050.
والأكثر أهمية أن عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عامًا فأكثر مرشح للارتفاع إلى 426 مليونًا بحلول عام 2050، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف مستواه في عام 2020.
وتكشف المنظمة أن نسبة السكان الذين تجاوزوا 60 عامًا سترتفع عالميًا من 12% عام 2015 إلى 22% عام 2050، وأن 80% من كبار السن سيعيشون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
هذه الأرقام تعني أن الشيخوخة لم تعد قضية تخص الدول الغنية وحدها، وإنما أصبحت تحديًا عالميًا يفرض على الحكومات إعادة صياغة سياساتها الصحية والاجتماعية والاقتصادية.
وهنا تتجلى أهمية ما طرحته الدكتورة عبلة الألفي، التي أدركت مبكرًا أن القضية لا تتعلق فقط بتوفير العلاج للمسنين، وإنما ببناء منظومة متكاملة تضمن لهم حياة كريمة، وتحافظ على استقلاليتهم، وتستفيد من خبراتهم.
أفريقيا أمام تحول تاريخي.. 215 مليون مسن بحلول 2050
أما على مستوى القارة الأفريقية، فإن المؤشرات لا تقل أهمية، بل تكشف عن تحديات تستوجب تحركًا مبكرًا، ففي دراسة للبنك الدولي بعنوان «الفرصة الفضية - الرعاية طويلة الأجل لكبار السن في أفريقيا»، استنادًا إلى إسقاطات الأمم المتحدة، ارتفع عدد الأشخاص الذين تجاوزوا 60 عامًا في القارة من نحو 78 مليونًا عام 2022، ومن المتوقع أن يصل إلى 215.1 مليون نسمة بحلول عام 2050، بزيادة تبلغ 175.7%، كما تشير الدراسة إلى أن الزيادة المتوقعة في أعداد كبار السن بأفريقيا ستكون الأسرع بين مناطق العالم خلال هذه الفترة.
وهذه الأرقام تضع القارة أمام مسؤولية تاريخية، خاصة أن أفريقيا لا تزال تضم نسبة كبيرة من الشباب، الأمر الذي يفرض عليها إدارة معادلة مزدوجة، تتمثل في الاستثمار في الشباب من ناحية، والاستعداد لاحتياجات كبار السن من ناحية أخرى.
وقد أشارت وكالة أسوشيتد برس الأمريكية في تقرير موسع عن شيخوخة السكان في أفريقيا إلى أن أعداد الأشخاص الذين تجاوزوا 60 عامًا في أفريقيا جنوب الصحراء ارتفعت بنحو 50% خلال 15 عامًا، لتصل إلى قرابة 67 مليونًا، مع توقعات منظمة الصحة العالمية بارتفاعها إلى 163 مليونًا بحلول عام 2050.
وحذر التقرير من ضعف شبكات المعاشات والحماية الاجتماعية ونقص الخدمات الطبية المتخصصة في رعاية المسنين ببعض المجتمعات الأفريقية.
وهنا تتضح أهمية دعوة الدكتورة عبلة الألفي إلى التحرك قبل تفاقم التحديات، وبناء منظومة أفريقية قادرة على استيعاب هذا التحول الكبير.
مصر في قلب المعادلة.. 23.1 مليون مسن بحلول 2050
ولأن مصر جزء أصيل من هذه التحولات، فإن الأرقام التي أوردتها دراسة البنك الدولي تستحق التوقف أمامها، فوفقًا للدراسة، من المتوقع أن يرتفع عدد المصريين الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر من نحو 8.6 مليون نسمة عام 2022 إلى 23.1 مليون نسمة بحلول عام 2050.
وهذا يعني أن مصر مطالبة بالتخطيط من الآن لتطوير خدمات الرعاية الصحية طويلة الأجل، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتوفير خدمات الرعاية المنزلية والمجتمعية، إلى جانب تطوير نظم المعاشات والتأمينات.
كما أن بيانات البنك الدولي لعام 2025 تشير إلى أن عدد المصريين الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر تجاوز 6.2 مليون نسمة.
إن هذه المؤشرات تؤكد أن ما طرحته الدكتورة عبلة الألفي ليس مجرد رؤية نظرية، وإنما قضية تمس مستقبل ملايين الأسر المصرية، وتحتاج إلى تكامل جهود الدولة ومؤسساتها.
عقد اجتماعي جديد.. رؤية تتجاوز حدود الزمن
من أبرز ما يميز رؤية الدكتورة عبلة الألفي دعوتها إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يحقق العدالة بين الأجيال، ويضمن استدامة النظم الصحية والمالية والاجتماعية،وهي دعوة تحمل قدرًا كبيرًا من الأهمية، لأن المجتمعات لم تعد قادرة على مواجهة التحولات الديموغرافية بالأفكار التقليدية نفسها، فارتفاع أعداد كبار السن يفرض على الحكومات إعادة النظر في سياسات الحماية الاجتماعية، وتطوير نظم المعاشات والتأمينات والرعاية الصحية، بما يضمن حياة كريمة للمسنين، ويحافظ في الوقت نفسه على التوازن المالي والاجتماعي للدولة.
وفي هذا السياق، جاء تأكيد الدكتورة عبلة الألفي على ضرورة تحقيق التوازن بين كفاية المنافع التأمينية والاستدامة المالية، مع توسيع مظلة الحماية لتشمل العاملين بالقطاع غير الرسمي والعمالة الموسمية والزراعية،وهي رؤية تتعامل مع العدالة الاجتماعية باعتبارها حقًا لا يرتبط بنوع الوظيفة أو طبيعة العمل.
كبار السن ثروة وطنية وليسوا عبئًا على المجتمع
ومن أرقى ما جاء في طرح نائب وزير الصحة رفضها اختزال الشيخوخة السكانية في كونها عبئًا ماليًا على الدولة، مؤكدة أهمية الاستفادة من خبرات كبار السن وتعزيز مشاركتهم الاقتصادية والاجتماعية.
وهذه النظرة تعكس فكرًا إنسانيًا متقدمًا، فالمجتمعات التي تحترم كبارها وتستفيد من خبراتهم هي مجتمعات تعرف قيمة الإنسان، ولا تقيس عطاءه بسنوات عمره، بل بما يمتلكه من معرفة وتجارب وقدرة على الإسهام.
كما أن دعوتها إلى تفعيل الاقتصاد الفضي تفتح آفاقًا جديدة للاستثمار في الخدمات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بكبار السن، بما يحول احتياجات هذه الفئة إلى فرص تنموية، ويوفر مجالات جديدة للعمل والإنتاج.
فالاقتصاد الفضي لم يعد مجرد مصطلح اقتصادي، بل أصبح قطاعًا واعدًا يشمل الرعاية الصحية، والخدمات المنزلية، والتكنولوجيا المساعدة، والسياحة المناسبة لكبار السن، والمنتجات والخدمات التي تستجيب لاحتياجاتهم.
اقتصاد الرعاية.. إنصاف للمرأة وحماية للأسرة
ولم تغفل الدكتورة عبلة الألفي جانبًا بالغ الأهمية، يتمثل في التغيرات التي طرأت على بنية الأسرة نتيجة الهجرة وتراجع حجم الأسر، وما ترتب على ذلك من صعوبة الاعتماد على الرعاية الأسرية وحدها.
وقد وضعت قضية المرأة في قلب المعادلة، مشيرة إلى أنها تتحمل النصيب الأكبر من أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر، وهو ما يستدعي تطوير منظومة متكاملة لاقتصاد الرعاية تشمل الخدمات المنزلية والمجتمعية والرعاية طويلة الأجل.
إن هذه الرؤية تستحق الإشادة، لأنها لا تتعامل مع الرعاية باعتبارها شأنًا أسريًا محدودًا، وإنما باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا، يمكن أن يوفر فرص عمل جديدة، ويدعم مشاركة المرأة في سوق العمل، ويحافظ على تماسك الأسرة وكرامة كبار السن.
كما أن دراسة البنك الدولي بشأن الرعاية طويلة الأجل في أفريقيا أكدت أن الأسرة لا تزال تمثل العمود الفقري لرعاية كبار السن، لكنها تواجه ضغوطًا متزايدة، في ظل محدودية الخدمات الرسمية ونقص التمويل والكوادر المتخصصة، وهذا ما يجعل دعوة نائب وزير الصحة إلى بناء اقتصاد متكامل للرعاية أكثر أهمية وإلحاحًا.
الحماية الاجتماعية والصحة الوقائية.. استثمار في الإنسان
ومن الملفات المهمة التي سلطت الدكتورة عبلة الألفي الضوء عليها ضرورة الانتقال من نموذج يعتمد بصورة أساسية على العلاج داخل المستشفيات إلى منظومة صحية وقائية متكاملة، ترتكز على الرعاية الصحية الأولية، ومتابعة الأمراض المزمنة، وتوفير خدمات الرعاية المنزلية والمجتمعية.
وهذا الطرح يعكس فهمًا حقيقيًا لمستقبل الرعاية الصحية، فالدول الناجحة ليست التي تنتظر إصابة المواطنين بالأمراض ثم تتحمل تكلفة علاجهم، وإنما التي تستثمر في الوقاية والكشف المبكر ونشر الوعي الصحي.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التقدم في العمر يرتبط بزيادة احتمالات الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة، من بينها السكري وأمراض القلب ومشكلات السمع والبصر والخرف، وأن بعض كبار السن قد يعانون أكثر من حالة صحية في الوقت نفسه.
ومن ثم فإن تطوير الرعاية الصحية الأولية، وتوفير المتابعة المستمرة، والتوسع في خدمات الرعاية المنزلية، لم يعد ترفًا، وإنما ضرورة لحماية صحة المواطنين وتقليل الأعباء على المستشفيات والأسر.
الألف يوم الأولى.. رسالة تربط بداية الحياة بنهايتها
ولعل أكثر ما يستحق التوقف أمامه في كلمة الدكتورة عبلة الألفي هو تأكيدها أن الاستعداد للشيخوخة الصحية لا يبدأ عند بلوغ الإنسان سن الستين أو الخامسة والستين، وإنما يبدأ منذ المراحل الأولى للحياة، من خلال الاستثمار في صحة الأم والطفل والتغذية السليمة والوقاية وتبني أنماط الحياة الصحية.
إن الربط بين الألف يوم الأولى من حياة الطفل والشيخوخة النشطة يعكس رؤية علمية وتنموية متكاملة، تؤكد أن صحة الإنسان مشروع يبدأ منذ ولادته ويستمر طوال حياته.
وهنا تتضح قيمة الرسالة التي حملتها نائب وزير الصحة إلى المحفل الأفريقي، فهي لا تقدم حلولًا مؤقتة، بل تدعو إلى بناء إنسان سليم، وأسرة قوية، ومجتمع قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
تقرير أمريكي جديد يؤكد أن العالم يشيخ بوتيرة أسرع
وفي تطور يؤكد أهمية هذا الملف، كشف تقرير مكتب الإحصاء الأمريكي «عالم يشيخ 2025»، الصادر في أغسطس 2026، أن العالم يتجه إلى تحول ديموغرافي متسارع، مدفوعًا بانخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط العمر وتحسن فرص البقاء على قيد الحياة.
وتوقع التقرير أن ترتفع نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر من 10.5% من سكان العالم عام 2025 إلى 19.6% بحلول عام 2060.
كما أشار إلى أن عدد كبار السن في أفريقيا ممن تجاوزوا 65 عامًا قد يصل إلى 249 مليون نسمة عام 2060، مقابل 214 مليونًا في أوروبا، في تحول لافت يعكس سرعة التغيرات السكانية داخل القارة الأفريقية.
وهذه المؤشرات تؤكد أن أفريقيا لن تكون بعيدة عن التحولات التي شهدتها المجتمعات المتقدمة، بل إنها قد تواجه زيادة كبيرة في أعداد كبار السن خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
شكرًا لكِ دكتورة عبلة الألفي.. تحدثتِ باسم مصر الحضارة والتاريخ أمام العالم
شكرًا لكِ دكتورة عبلة الألفي، لأنكِ تحدثتِ باسم مصر، مصر الحضارة والتاريخ، مصر التي كانت وستظل صاحبة الريادة والفكر المستنير، وبلدًا لا يكتفي بمتابعة التحولات العالمية، بل يشارك في صناعة الرؤى وطرح الحلول واستشراف المستقبل.
لقد كنتِ خير سفيرة للفكر المصري أمام هذا الجمع الدولي بالعاصمة الإيفوارية أبيدجان، وقدمتِ صورة مشرفة لمسؤولة تمتلك العلم والرؤية والقدرة على التعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع بلغة تجمع بين الحكمة والإنسانية والمسؤولية.
لقد حملتِ إلى هذا المحفل رسالة مصرية تستحق الاحترام، ولمست كلماتكِ قضية تمس مستقبل ملايين البشر، فجاء طرحكِ محل تقدير وإشادة لما اتسم به من عمق ووعي وشمول، ولما تضمنه من رؤى تتجاوز حدود الشعارات إلى آفاق التخطيط والعمل.
والأجمل أن رؤيتكِ لم تكن مجرد استعراض لتجربة وطنية، بل دعوة إنسانية لبناء مجتمعات أكثر عدالة ورحمة، تحفظ كرامة كبار السن، وتنصف المرأة، وتحمي الأجيال القادمة.
شكرًا لكِ لأنكِ رفعتِ اسم مصر عاليًا، وأكدتِ أن هذا الوطن يمتلك من العقول والكفاءات ما يجعله حاضرًا بقوة في صياغة مستقبل القارة الأفريقية والعالم.
تحية تقدير لجهدكِ، ولرسالتكِ، ولصوت مصر الذي وصل إلى هذا الجمع بكل ثقة واقتدار. فقد أثبتِ أن المسؤولية الحقيقية ليست مجرد منصب، وإنما فكر ورؤية ورسالة وطنية، وأن مصر حين تتحدث بعقول أبنائها المخلصين، فإنها تتحدث بتاريخها وحضارتها وثقلها الإنساني أمام العالم.


























