المستشار محمد سليم يكتب : الرأي والشجاعة والأمل طريق النجاح
في خضم الحياة المليئة بالتحديات، لا يكون تحقيق النجاح مرهونا دائما بما نملكه من إمكانات، بقدر ما يرتبط بقدرتنا على التعامل مع ما نواجهه من أزمات، واستثمار المتاح، وتحويل الخسائر والعثرات إلى دروس تدفعنا إلى الأمام. فالنصر الحقيقي لا يعني أن ننتصر في كل معركة من المرة الأولى، وإنما أن نمتلك القدرة على النهوض بعد كل سقوط، ومواصلة الطريق مهما كانت الصعوبات.
إن الإنسان الناجح هو الذي لا يظل أسيرا لما فقده، ولا يسمح للإخفاق بأن يسرق منه طاقته أو يحاصره داخل دائرة اليأس. فالحياة لا تمنح أحدا طريقا مستقيما خاليا من العقبات، وكل إنجاز كبير تقف وراءه لحظات صعبة، وقرارات شجاعة، ومحاولات متكررة لم تتوقف عند أول عقبة.
ومن هنا تأتي أهمية امتلاك الرؤية السليمة قبل اتخاذ القرار، فالرأي ليس مجرد فكرة عابرة، وإنما هو خلاصة ما يراه الإنسان مناسبا في ضوء ما لديه من معلومات وتجارب، وقد يصيب الإنسان في رأيه وقد يخطئ، ولهذا كانت الاستعانة بأصحاب الخبرة والحكمة من أهم أسباب الوصول إلى القرار الرشيد، خاصة عندما تتعقد الأمور وتتشابك الخيارات.
المشورة ليست ضعفا، بل دليل على وعي الإنسان بحدود معرفته، وإدراكه أن العقول حين تتلاقى يمكن أن تصل إلى نتائج أفضل مما يصل إليه عقل واحد بمفرده.، وقد حثنا الإسلام على الشورى، وجعلها منهجا في إدارة شؤون الحياة، فقال الله تعالى: "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين"، وقال سبحانه: "وأمرهم شورى بينهم".
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجا عظيما في الأخذ بالمشورة، فلم يكن الاستماع إلى الآخرين انتقاصا من مكانته، بل كان تعبيرا عن احترام العقل وتقدير الرأي، ومن هنا جاءت الحكمة التي تقول: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، وهي حكمة تختصر تجربة إنسانية طويلة تؤكد أن القرار المتزن يبدأ غالبا من الاستماع الجيد ودراسة الخيارات قبل الإقدام على التنفيذ.
لكن الرأي وحده لا يكفي، فهناك لحظة يصبح فيها التردد عائقا، ويصبح المطلوب هو الشجاعة في اتخاذ القرار وتحمل نتائجه. والشجاعة الحقيقية ليست اندفاعا أو تهورا، وإنما قدرة على مواجهة الواقع بثبات، والدفاع عن الحق، والاعتراف بالخطأ عندما يقع، ثم امتلاك الإرادة لتصحيحه.
أما الشجاعة التي تنفصل عن الحكمة والتخطيط، فقد تتحول إلى مخاطرة غير محسوبة، وربما تقود صاحبها إلى نتائج عكسية. ولذلك فإن القيادة الناجحة تقوم على معادلة متوازنة تجمع بين الرأي السديد والشجاعة في التنفيذ، فالرأي يحدد الطريق، والتخطيط يرسم خطواته، والشجاعة تمنح الإنسان القدرة على السير فيه حتى النهاية.
وفي الجانب الآخر من معركة الحياة، يظل الأمل هو الوقود الذي يمنح الإنسان القدرة على الاستمرار، فالحياة بطبيعتها مليئة بالكفاح، وكل إنسان يخوض معركته الخاصة من أجل حياة أفضل ومستقبل أكثر استقرارا له ولأسرته.، والعامل يكافح من أجل لقمة العيش، والطالب يجتهد بحثا عن النجاح، والموظف يسعى إلى تطوير نفسه وتحقيق مكانة أفضل، والأب والأم يبذلان أقصى ما يستطيعان من أجل أن يروا أبناءهم في أفضل حال.
ورغم اختلاف الأدوار والظروف، يجمع بين هؤلاء جميعا شيء واحد هو الأمل، فالأمل ليس مجرد أمنية نتمنى تحققها، وإنما قوة داخلية تدفع الإنسان إلى العمل، ولا قيمة للأمل إذا ظل مجرد كلمات، لأن الأهداف لا تتحقق بالأحلام وحدها، وإنما تحتاج إلى جهد وصبر وتخطيط وإصرار.
والأمل الحقيقي هو الذي يتحول إلى فعل، والفكرة التي تبدأ صغيرة يمكن أن تصبح مشروعا كبيرا إذا وجدت العقل الذي يطورها والإرادة التي تنفذها.، وكثير من النجاحات التي نراها اليوم بدأت بفكرة بسيطة، ثم تحولت بالإصرار والعمل إلى واقع ملموس.
ولذلك فإن الطالب حين يذاكر لا يفعل ذلك من أجل الوقت فقط، وإنما لأنه يرى أمامه مستقبلا يستحق التعب، والموظف حين يخلص في عمله لا يبحث فقط عن تقدير الآخرين، وإنما يسعى إلى إثبات ذاته وبناء مستقبله. والأم حين تزرع في أبنائها القيم والاجتهاد، فإنها في الحقيقة تبني أملا يمتد إلى المستقبل.
إن النجاح المستدام لا يبنى بجهود فردية فقط، وإنما يحتاج إلى تعاون وتكامل في الأدوار، وإلى مجتمع يؤمن بأن كل إنسان يستطيع أن يضيف شيئا إلى مسيرة البناء. وعندما تتكامل الخبرة مع الشباب، والرأي مع التنفيذ، والطموح مع العمل، يصبح الطريق إلى النجاح أكثر وضوحا وقدرة على مواجهة الأزمات.
وفي النهاية، علينا أن ندرك أن ما فقدناه لا يجب أن يكون سببا في التوقف، وما نواجهه من صعوبات يجب أن يتحول إلى دافع للاستمرار، فلنأخذ الرأي من أهله، ونخطط بعقل، ونواجه بشجاعة، ونعمل بإخلاص، ونتمسك بالأمل مهما طال الطريق. فالحياة لا تعطي ثمارها لمن ينتظرها فقط، وإنما لمن يزرعها ويرعاها ويصبر حتى يحين وقت حصادها.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.

















.jpeg)





