النائب أحمد قورة يكتب: الرئيس السيسي يضع التعليم في صدارة معركة بناء الإنسان والأمن القومي
ليست قضية التعليم مجرد تطوير لمناهج أو تحديث لكتب دراسية أو استعداد لبداية عام دراسي جديد، وإنما هي قضية وطن ومستقبل وأمن قومي، لأن الأمم التي تمتلك العلم والمعرفة تستطيع أن تصنع لنفسها مكانا بين الكبار، بينما الأمم التي تهمل عقول أبنائها تفتح الأبواب أمام التراجع والانكفاء.
ومن هنا تأتي أهمية ما يحرص عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي من وضع ملف التعليم في مقدمة أولويات الدولة المصرية، باعتباره أحد أهم المحاور في مشروع بناء الإنسان، وأحد الرهانات الأساسية التي تعول عليها مصر في صناعة مستقبل أكثر قوة واستقرارا وقدرة على المنافسة.
وفي هذا السياق، جاء اجتماع الرئيس السيسي اليوم بمدينة العلمين مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، ومحمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، والدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ليؤكد أن ملف التعليم يحظى باهتمام كبير، وأن بناء الإنسان المصري ليس شعارا، وإنما رؤية تستند إلى العمل والتطوير ومواكبة متغيرات العصر.
وقد جاءت توجيهات الرئيس بالاستمرار في تطوير كافة جوانب منظومة التعليم، بما في ذلك التحديث الدوري للمناهج والكتب الدراسية، بما يواكب التطورات العلمية والتعليمية ويضمن تأهيل الطلاب بأحدث المعايير وأكثرها كفاءة، وهي رسالة واضحة مفادها أن مصر لا تريد تعليما يعيش في الماضي، وإنما منظومة تعليمية تستشرف المستقبل وتتعامل مع علومه وأدواته ومتطلباته.
وهنا لا بد أن نتذكر أن التعليم لم يكن يوما مجرد وسيلة للحصول على شهادة، بل كان دائما وسيلة لصناعة الإنسان وبناء المجتمعات وتشكيل وعي الأجيال. ولذلك صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
العِلمُ يَبني بُيوتا لا عِمادَ لها
والجَهلُ يَهدِمُ بَيتَ العِزِّ والكَرَمِ
ولم يتوقف شوقي عند أهمية العلم، وإنما أدرك أيضا أن العلم وحده لا يكفي لبناء الأمم، فالأخلاق هي الحصن الذي يحمي المعرفة ويوجهها لخدمة الإنسان والمجتمع، ولذلك قال:
وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقُهم ذهبوا
وهنا تحديدا تتضح الصورة التي يجب أن نضعها أمام أعيننا ونحن نتحدث عن تطوير التعليم في مصر. فنحن لا نريد تعليما يصنع جيلا يحفظ المعلومات فقط، وإنما نريد تعليما يصنع إنسانا يمتلك العلم والأخلاق والوعي والانتماء، إنسانا يعرف قيمة وطنه ويحترم القانون ويؤمن بالعمل ويحسن استخدام ما تعلمه في خدمة مجتمعه.
ومن هنا فإن تطوير المناهج يجب أن يسير بالتوازي مع بناء الشخصية، لأن التعليم الحقيقي ليس ما يملأ عقل الطالب بالمعلومات فقط، وإنما ما يغرس داخله القدرة على التفكير، ويحميه من الأفكار الهدامة، ويمنحه القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، ويجعله أكثر ارتباطا بوطنه وأكثر قدرة على المشاركة في بنائه.
وأحسب أن اهتمام الرئيس السيسي بتطوير التعاون مع مختلف الشركاء الدوليين والاستفادة من أفضل الممارسات التعليمية يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لأن العالم يمر بمرحلة تتسارع فيها التكنولوجيا والمعرفة بصورة غير مسبوقة، ولا يمكن لمصر أن تنعزل عن تجارب التطوير العالمية، مع ضرورة أن تظل الاستفادة منها منسجمة مع خصوصية المجتمع المصري واحتياجاته وأهدافه الوطنية.
كما أن تدريب وتأهيل المعلمين يمثل حجر الأساس في أي إصلاح حقيقي، لأن المعلم هو من يحول المنهج من كلمات على الورق إلى معرفة حية، وهو القادر على اكتشاف مواهب الطلاب وصقلها وتوجيهها، وهو المسؤول عن غرس قيم الانضباط والالتزام والاحترام قبل أن ينقل المعلومة.
والحديث عن التعليم العام يقودنا بالضرورة إلى التعليم العالي والبحث العلمي، لأن بناء الإنسان لا يتوقف عند حدود المدرسة، وإنما يمتد إلى الجامعة التي يجب أن تكون مصنعا للعقول، ومركزا للبحث والابتكار، وشريكا في التنمية، ومصدرا للحلول العلمية التي تحتاج إليها الدولة في مختلف المجالات.
وهنا تظهر أهمية التكامل بين وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، لأن منظومة التعليم في النهاية سلسلة واحدة، تبدأ بتأسيس شخصية الطالب في المدرسة، ثم تنمية قدراته في التعليم الجامعي، وصولا إلى تخريج إنسان يمتلك العلم والمهارة والقيم اللازمة للاندماج في سوق العمل والمشاركة في مسيرة التنمية.
إن مصر التي تخوض معركة البناء والتنمية في مختلف المجالات تحتاج إلى جيل جديد لا يكتفي بأن يكون متعلما، وإنما يكون قادرا على الابتكار والإبداع والمنافسة. جيل يعرف أن العلم قوة، وأن الأخلاق مسؤولية، وأن الانتماء للوطن ليس كلمات تردد، وإنما عمل وإنتاج وإخلاص.
ولذلك فإننا عندما نقول إن التعليم قضية أمن قومي، فنحن لا نبالغ، لأن قوة الدولة في المستقبل ستقاس بقدرتها على امتلاك المعرفة وإنتاج التكنولوجيا وإعداد الكفاءات، كما ستقاس بقدرتها على حماية وعي أبنائها وهويتهم وقيمهم.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي أمة ليس فقط نقص الموارد، وإنما ضياع العقول واختلال منظومة القيم، ولهذا فإن معركة التعليم والأخلاق والوعي هي في حقيقتها معركة من أجل بقاء الدولة وقوتها وقدرتها على الاستمرار.
وأقولها بكل وضوح: الزراعة تسد الجوع، والصناعة توفر الاحتياجات، لكن التعليم يزرع العقول ويصنع الإنسان ويبني وطنا.
ولذلك فإن ما نشهده من اهتمام رئاسي متواصل بالتعليم يجب أن يكون دافعا لنا جميعا، دولة وأسرة ومدرسة وجامعة وإعلاما ومجتمعا، لأن بناء الإنسان مسؤولية مشتركة، ونتائجها لا تخص جيلا واحدا، وإنما ترسم ملامح أجيال قادمة.
لقد علمنا التاريخ أن الأمم لا تنهض بالصدفة، ولا تبني مستقبلها بالشعارات، وإنما بالعلم والعمل والأخلاق. وحين تجتمع هذه العناصر الثلاثة، يصبح الطريق إلى التقدم أكثر وضوحا، وتصبح الدولة أكثر قدرة على حماية مصالحها وتحقيق أحلام أبنائها.
وفي النهاية، تظل رسالة أمير الشعراء أحمد شوقي حاضرة أمامنا - العلم يبني بيوتا لا عماد لها والجهل يهدم بيت العز والكرم وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا، خاصة وإن الأخلاق تاج العلم، وبها يسمو الإنسان وتنهض الأمم.
وهذا هو جوهر المعركة التي نخوضها اليوم، معركة بناء إنسان مصري يعرف قيمة العلم، ويتمسك بالأخلاق، ويؤمن بوطنه، ويشارك في صناعة مستقبله.
وفي النهاية، يبقى الرئيس عبد الفتاح السيسي قائدا يدرك أن بناء مصر لا يبدأ من الحجر، وإنما من الإنسان، وأن أعظم إنجاز يمكن أن تحققه دولة هو أن تبني عقلا واعيا، وخلقا راسخا، وإنسانا قادرا على حمل راية الوطن إلى المستقبل. ولذلك فإن اهتمام الرئيس بالتعليم وبناء الإنسان ليس مجرد سياسة عابرة، وإنما رؤية قائد يؤمن بأن قوة مصر الحقيقية في أبنائها، وأن الجمهورية الجديدة التي يحلم بها المصريون لن تكتمل إلا بعقول متعلمة، ونفوس واعية، وأخلاق تحمي مسيرة البناء. ولعل التاريخ سينصف هذا القائد الذي جعل من بناء الإنسان معركة وطن، ومن التعليم جسرا إلى مستقبل أكثر قوة وازدهارا لمصر.
كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق

















.jpeg)





