النائب أحمد قورة يكتب: أين إذاعة أم كلثوم؟.. صوت مصر الذى وحّد العرب
لم يكن الكاتب الصحفى الكبير فاروق جويدة يطرح سؤالًا عابراً عندما كتب فى جريدة الأهرام " أين إذاعة أم كلثوم؟ "، وإنما كان يعبر عن مشاعر ملايين المصريين والعرب الذين فوجئوا باختفاء محطة إذاعية ارتبطت بوجدانهم لعقود طويلة، حتى أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية، ورفيقًا دائمًا لكل من يعشق الفن الراقى.
واليوم، أجدد هذا السؤال، ليس بدافع الحنين إلى الماضى، وإنما دفاعًا عن جزء أصيل من الهوية الثقافية المصرية، وعن واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة التى صنعت لمصر مكانة استثنائية فى العالم العربى.
لقد كانت إذاعة أم كلثوم أكثر من مجرد محطة إذاعية، كانت مدرسة للفن الراقى، وجسرًا ربط بين الأجيال، ومنبرًا حافظ على تراث سيدة الغناء العربى التى ما زال صوتها يعيش فى قلوب الملايين رغم مرور أكثر من نصف قرن على رحيلها.
كان الملايين داخل مصر وخارجها يضبطون ساعاتهم على مواعيد إذاعة حفلات كوكب الشرق، ينتظرون إعادة الحفل من الخامسة حتى السادسة مساءً، ثم يعاودون الاستماع إليه من التاسعة حتى العاشرة ليلًا، وكأن الزمن يعود بهم إلى ليالى الخميس التى كانت تتوقف فيها الحياة احترامًا لصوت أم كلثوم.
كاتب المقال النائب أحمد قورة عضو لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب السابق
وكان عشاقها يترقبون بشغف روائعها الخالدة مثل "الأطلال" و" أنت عمرى "* و" هذه ليلتى " و" سيرة الحب "* و" إنت الحب "* و"فات الميعاد" و" بعيد عنك " و" ألف ليلة وليلة "، وغيرها من الأعمال التى صنعت وجدان الأمة العربية، وأثبتت أن الفن الحقيقى لا يعرف حدودًا ولا زمنًا.
ولم تقتصر رسالة الإذاعة على الأغنيات العاطفية، بل كانت نافذة للأغانى الوطنية التى ما زالت تعيش فى ذاكرة المصريين والعرب، مثل "والله زمان يا سلاحى" و"مصر التى فى خاطرى" و"ثوار"، تلك الأعمال التى كانت تزرع الانتماء، وترفع الروح المعنوية، وتؤكد أن الفن يمكن أن يكون سلاحًا لبناء الإنسان وحماية الوطن.
ولمن لا يعرف قيمة العلاقة بين أم كلثوم والإذاعة المصرية، فإنها كانت أول مطربة مصرية يعتمدها ميكروفون الإذاعة رسميًا عام 1934، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الإذاعة بيتها الأول، وكانت تعتبره شريكًا فى نجاحها وليس مجرد وسيلة لنقل صوتها.
وكانت حفلاتها الشهرية تُسجل لتُذاع فى اليوم التالى، وكانت تتقاضى مقابل الحفل خمسين جنيهًا فقط، ليس لأن هذا كان يوازى قيمتها الفنية، وإنما لأنها كانت تؤمن بأن وصول صوتها إلى كل بيت أهم من أى مقابل مادى، فظلت وفية للإذاعة حتى آخر أيام حياتها.
ولم تكن أم كلثوم تكتفى بالغناء، بل كانت تتابع بنفسها كل تفاصيل التسجيل، فتجلس مع مهندسى الصوت، وفى مقدمتهم الراحل عبدالعزيز قنديل، تستمع إلى الحفل كاملًا، وتراجع جودة التسجيل، وعدد مرات التصفيق والاستحسان، وكأنها تقدم درسًا فى احترام الجمهور والإخلاص للفن.
كما كانت تحرص على تسليم المذيعين كلمات الأغنيات الجديدة قبل صعودها إلى المسرح، حتى يقدموا العمل للجمهور بصورة تليق بالكلمة واللحن، وكانت تصحح بنفسها أى خطأ لغوى يقع أثناء تقديم قصائدها، إيمانًا منها بأن احترام اللغة جزء من احترام الفن.
وعندما تعرضت أغانيها للتوقف عن الإذاعة لفترة قصيرة عقب ثورة يوليو، جاء الموقف التاريخى للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذى قال كلمته الخالدة " إذا كنتم ستمنعون أغنيات أم كلثوم، فعليكم أن تهدموا الأهرامات وتردموا نهر النيل"
كانت تلك الكلمات شهادة تاريخية من قائد آمن بأن أم كلثوم ليست مجرد مطربة، وإنما رمز من رموز مصر، وصوت يعبر عن حضارتها وثقافتها، لذلك أعاد إليها مكانتها، ومنحها فيما بعد جائزة الدولة التقديرية ووسام الجمهورية تقديرًا لدورها الوطنى والفنى.سأرسل لك مباشرة الجزء الثانى والأخير، ويتضمن فقرة نجيب محفوظ، وصحيفة التايمز، وأسباب افتتاح الإذاعة بصوت أم كلثوم، ثم النداء إلى الأستاذ أحمد المسلماني.
ولم يكن اختيار أم كلثوم لتفتتح الإذاعة إرسالها وتختتم به يومها، رغم وجود قامات فنية كبيرة فى ذلك الوقت، مثل موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، ومحمد فوزى، وشادية، ونجاة الصغيرة، وفايزة أحمد، ومحرم فؤاد، وغيرهم من عمالقة الغناء العربى، أمرًا عشوائيًا، وإنما لأنها كانت ظاهرة فنية وإنسانية استثنائية، استطاعت أن تعبر عن كل أطياف الشعب، وأن تخاطب وجدان الملايين فى مصر والعالم العربى.
ولعل أبلغ ما قيل عنها ما قاله الأديب العالمى نجيب محفوظ " أم كلثوم جاءت كنعمة للحياة "، فيما كتبت صحيفة التايمز البريطانية أنها "استطاعت أن تجعل العرب يتوحدون وينسون خلافاتهم يوم الخميس ليستمعوا إليها". ولم تكن هذه الكلمات مجرد إشادة بمطربة عظيمة، بل كانت شهادة على أن أم كلثوم أصبحت رمزًا ثقافيًا وحضاريًا تجاوز حدود الفن، وصارت عنوانًا لوحدة الوجدان العربى.
لقد كانت الإذاعة المصرية تعرف قيمة أم كلثوم، وكانت أم كلثوم تعرف قيمة الإذاعة. لذلك نشأت بينهما علاقة وفاء نادرة، فلم تكن ترى فى الميكروفون مجرد وسيلة لنقل الصوت، وإنما شريكًا فى صناعة التاريخ. وكانت حفلاتها الشهرية تتحول إلى حدث قومى، تتابعه الإذاعات العربية، وتنتظره الأسر فى البيوت والمقاهى والنوادى، حتى أصبح يوم الحفل موعدًا لا يتخلف عنه أحد.
ولم يكن دور الإذاعة يقتصر على نقل الأغنيات فقط، بل كانت تقدم للمستمعين تفاصيل الحفل، والقصائد، والملحنين، وكواليس الأمسية، وتنقل أجواء المسرح إلى من لم يتمكن من الحضور، لتصبح أم كلثوم مؤسسة فنية متكاملة، صنعت مع الإذاعة المصرية نموذجًا إعلاميًا وثقافيًا لن يتكرر.
إن السؤال اليوم ليس عن محطة إذاعية فحسب، بل عن قيمة ثقافية كبيرة اختفت من حياتنا فى وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى استعادة الفن الجميل، بعدما أصبحت الساحة تمتلئ بأعمال لا تحمل رسالة، ولا ترتقى إلى تاريخ مصر الفنى.
إن الأمم العظيمة لا تفرط فى تراثها، ولا تسمح بأن تغيب رموزها عن الأجيال الجديدة. وإذا كانت دول العالم تتباهى برموزها الفنية وتحافظ عليها باعتبارها جزءًا من قوتها الناعمة، فإن مصر أولى بالحفاظ على تراث كوكب الشرق، التى كانت وما زالت سفيرة للفن المصرى فى كل أنحاء العالم.
ومن هنا، أتوجه بنداء صادق إلى الكاتب والإعلامى الكبير الأستاذ أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، الذى نعرف عنه تقديره العميق لقيمة الثقافة المصرية، وحرصه الدائم على استعادة الدور الوطنى للإعلام، وإيمانه بأن القوة الناعمة كانت وستظل أحد أهم أعمدة الريادة المصرية.
إن إعادة إذاعة أم كلثوم لن تكون مجرد إعادة محطة إذاعية إلى خريطة البث، بل ستكون رسالة وفاء لتاريخ مصر، ورسالة تقدير لفنانة صنعت وجدان أمة كاملة، ورسالة تؤكد أن الإعلام الوطنى لا ينسى رموزه ولا يفرط فى كنوزه.
ونثق أن الأستاذ أحمد المسلماني، بما يمتلكه من رؤية ثقافية وإعلامية، يدرك أن صوت أم كلثوم ليس ملكًا لجيل بعينه، وإنما هو تراث إنسانى تتوارثه الأجيال، وأن عودة هذه المحطة التاريخية ستكون خطوة تعيد الاعتبار للفن الراقى، وتمنح الشباب فرصة للتعرف على مدرسة فنية صنعت المجد المصرى والعربى.
إن الملايين من عشاق كوكب الشرق فى مصر والعالم العربى لا يطالبون بالمستحيل، وإنما يطالبون بعودة صوت أحبوه، وصاحبهم فى أفراحهم وأحزانهم، وشكل جزءًا من ذاكرتهم ووجدانهم.
فلتعد إذاعة أم كلثوم، وليعد معها زمن الفن الجميل، لأن الأمم التى تحفظ تراثها هى الأمم التى تصنع مستقبلها.























