المستشار محمد سليم يكتب: إسرائيل ترتكب جريمة الاستيطان وأمريكا تمنحها الغطاء
لم يعد ما ترتكبه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة مجرد سياسة توسع استيطاني عابرة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره خلافًا عقاريًا أو إجراءً إداريًا محدودًا، بل نحن أمام عدوان مكتمل الأركان، ومشروع ممنهج لاغتيال الجغرافيا الفلسطينية، ودفن أي أمل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف.
إن إقدام إسرائيل على فتح باب العطاءات لبناء نحو 1200 وحدة استيطانية في المنطقة المعروفة باسم «E1» شرق القدس، ليس مجرد بناء وحدات سكنية جديدة، وإنما محاولة لفرض واقع جديد بالقوة، وتحويل الاحتلال إلى أمر دائم، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، ومحاصرة القدس وعزلها عن محيطها الفلسطيني.
وقد أصاب الأزهر الشريف كبد الحقيقة عندما وصف هذا المخطط بأنه «جريمة سطو علني على الأرض الفلسطينية»، لأن ما يحدث هو عملية سطو منظمة على وطن بأكمله، وسرقة متعمدة للأرض والتاريخ والهوية، ومحاولة لخنق القدس وتفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إلى متى يستمر هذا الصمت الدولي؟ وإلى متى تظل بيانات الإدانة وحدها هي السلاح الوحيد في مواجهة آلة الاستيطان؟!
إن المجتمع الدولي مطالب اليوم، وليس غدًا، بأن ينتقل من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة الفعل الحقيقي. فلا معنى للقانون الدولي إذا كان عاجزًا عن حماية شعب واقع تحت الاحتلال، ولا قيمة للقرارات الدولية إذا كان منتهكوها يضربون بها عرض الحائط دون حساب أو عقاب.
والأخطر من ذلك أن مشروع «E1» لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، وإنما يستهدف فكرة السلام نفسها. فالاحتلال حين يواصل الاستيطان في قلب الضفة الغربية، ويعمل على فصل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، فإنه يوجه رسالة واضحة مفادها أنه لا يريد سلامًا قائمًا على الحقوق، وإنما يريد فرض الأمر الواقع بالقوة.
وقد أكدت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا أن طرح إسرائيل عرضًا جديدًا لتنفيذ مشروع «E1» خطوة غير مقبولة وتخالف القانون الدولي، محذرة من أن البناء والتوسع الاستيطاني في هذه المنطقة الحساسة يهددان بصورة مباشرة حل الدولتين ويعزلان شرقي القدس عن باقي أراضي الضفة الغربية.
لكن الإدانة، مهما كانت قوية، لا تكفي وحدها، الفلسطينيون لا يحتاجون إلى مزيد من البيانات التي تُكتب بالحبر ثم تُدفن في أدراج المؤسسات الدولية، وإنما يحتاجون إلى قرارات ملزمة وإجراءات رادعة توقف الاستيطان وتحاسب المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وتمنع تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي بالقوة.
وندين بكل قوة ووضوح الموقف الأمريكي الذي يواصل توفير الغطاء السياسي والدعم المتواصل للسياسات الإسرائيلية، ونقولها دون مواربة: إن الولايات المتحدة تتحمل جانبًا كبيرًا من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن استمرار هذا التغول، ما دامت تستخدم نفوذها لحماية إسرائيل من المحاسبة، وتمنحها مساحة للمضي في مشروعات الاستيطان وفرض الأمر الواقع على الأرض الفلسطينية. إن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل لا يصنع سلامًا، بل يفتح أبوابًا أوسع للغضب والانفجار، ويبعث برسالة خطيرة إلى العالم مفادها أن القانون الدولي يمكن أن يُدهس إذا كان المعتدي يحظى بحماية القوة العظمى. ومن هنا، فإن غضب الشعوب العربية ليس غضبًا عابرًا، بل صرخة في وجه ازدواجية المعايير، ورفض لمحاولات خنق الحق الفلسطيني وطمس القدس وتصفية القضية. وستظل فلسطين قضية حية في وجدان الأمة، مهما اشتدت المؤامرات ومهما طال الليل.
لقد آن الأوان أن تدرك الدول الحرة أن القدس ليست مجرد مدينة على خريطة، وأن المسجد الأقصى ليس مجرد معلم ديني، وأن القضية الفلسطينية ليست ملفًا سياسيًا قابلًا للنسيان، وإنما قضية شعب صاحب حق في أرضه ووطنه.
إننا أمام اختبار حقيقي للضمير العالمي. فإما أن ينتصر القانون، وإما أن تنتصر شريعة الغاب. وإما أن تُحمى حقوق الشعب الفلسطيني، وإما أن يصبح الاحتلال والاستيطان نموذجًا لتدمير الدول وابتلاع أراضي الشعوب بالقوة.
إن رسالة الغضب اليوم يجب أن تكون واضحة: كفى صمتًا، كفى بيانات، كفى ازدواجية في المعايير. فالقدس ستظل في قلب فلسطين، وحقوق الشعب الفلسطيني لن تسقط بالتقادم، والاستيطان لن يصنع شرعية مهما طال الزمن.
وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته التاريخية، وأن يتحول من متفرج إلى فاعل، ومن مُصدر بيانات إلى صاحب قرار، وأن يضع حدًا لهذا العدوان قبل أن تشتعل المنطقة بأكملها.
فالاحتلال مهما امتلك من قوة، لا يستطيع أن يسرق حق شعب في وطنه، ولا يستطيع أن يمحو ذاكرة أمة، ولا يستطيع أن يغير حقيقة أن القدس ستظل في قلب فلسطين، وأن الحق مهما طال عليه الزمن لا يموت.
كاتب المقال المستشار محمد سليم عضو المحكمة العربية وعضو اللجنة الدستورية والتشريعية السابق بمجلس النواب، والمحامي أمام المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض.

















.jpeg)





