محمد طرابيه يكتب : البريق المُستفز: حين تصبح أرقام نجوم ونجمات الفن جرحاً في وجدان الناس
لم يعد الأمر مجرد أخبار فنية نتصفحها على عجل. صار وجعاً يومياً يتكرر على شاشاتنا وعلى منصات التواصل. صورة لفستان ثمنه ملايين، وساعة يد تزيد على سعر شقة، وحفل خاص تكلفته تبني مدرسة. أرقام تُقال ببساطة، وكأنها لا شيء.
"حفلة بسيطة"
هكذا وُصفت سهرة ظهرت فيها فرقة عالمية وشاشات عملاقة وألعاب نارية. وتكلفة هذه "البساطة" وحدها كافية لتشغيل مصنع صغير لعام كامل، أو لتجهيز ثلاثين عروسة من الأسر الأولى بالرعاية، أو لدفع مصروفات جامعية لخمسين طالباً متفوقاً.
"فستان للمناسبة فقط"
فستان واحد يُستأجر لليلة واحدة بثمن يفوق دخل موظف شريف لعشر سنوات. وساعة يد تُغير كل أسبوع، وثمنها يعالج مئات المرضى في المستشفيات الحكومية.
"عزومة على الضيق"
وعلى المائدة أطباق من دول العالم، وفاتورتها تكفي لإطعام أسرة متوسطة لخمس سنوات.
أمثلة من الواقع
في الصيف الماضي وحده، تجاوزت أجور بعض الحفلات الغنائية في الساحل الشمالي حاجز الـ 15 مليون جنيه للحفلة الواحدة. وفي المقابل، أعلنت وزارة التضامن عن قوافل طبية كاملة تكلفتها أقل من ذلك بكثير. كما تناقلت المواقع صور فساتين فنانات في مهرجانات عالمية، وصل سعر بعضها إلى 8 ملايين جنيه، وهو رقم يفوق ميزانية مدرسة حكومية كاملة في قرية نائية.
أين المشكلة؟
المشكلة ليست في الغنى. فالرزق من الله، ومن حق أي إنسان أن يستمتع بثمرة تعبه. والمشكلة ليست في الفن. فالفن رزق ومهنة وجهد.
المشكلة الحقيقية في الفجوة . في الرسالة التي تصل للناس دون قصد، أو بقصد.
حين يتحدث صاحب الملايين عن أرقام فلكية على أنها "مصاريف عادية"، فهو يقول لملايين المصريين المكافحين: "إن معاناتكم اليومية مجرد تفاصيل صغيرة لا تستحق الذكر".
حين ينشر الفنان صورة طائرته الخاصة، وعشائه في عاصمة أوروبية، ثم يعود ليغني عن "الغلب والشقى"، يحدث شرخ. شرخ بينه وبين الجمهور الذي صنع نجوميته بتصفيقه وتذكرته ودمعته.
الفن مسؤولية
الفنان ليس موظفاً عادياً. هو صوت، وقدوة، ومرآة. الناس لا تحسد الرزق لكنها ترفض من يسخر من فقرها. لا تغضب من النجاح، لكنها ترفض الاستفزاز.
كان الفنان قديماً "ابن البلد". يأكل مما يأكل الناس، ويشعر بما يشعرون به. كانت أغنيته لامرأة تنتظر زوجها، ومسرحيته عن موظف بسيط، وفيلمه عن حارة يعرفها الجميع.
اليوم تحول البريق إلى سور عالى . سور من الأرقام الخيالية، ومن التفاخر المتعمد، ومن عزلة مقصودة.
كلمة أخيرة
نحن لا نطلب من أحد أن يعيش مثلنا. لكننا نطلب الاحترام. نطلب أن تُحكى الحكاية بصدق. فإن كان لابد من الحديث عن التكلفة، فليكن الحديث عن تعب الإنتاج وصعوبة المهنة، لا عن احتقار لقمة العيش.
الكلمة الطيبة صدقة، والصورة المستفزة فتنة. والجمهور الذي ملأ القاعات ورفعك إلى النجومية، من حقه عليك أن تتذكره.
الناس ليست فقيرة، الناس شقيانة. والفرق بينهما كبير.

















.jpeg)





