السيد محمود الشريف نقيب الأشراف يكتب: الرئيس السيسي والرئيس الصيني.. أكبر قمة على أرض القاهرة ترسم ملامح شراكة المستقبل
تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة في توقيت بالغ الأهمية، لتفتح صفحة جديدة في العلاقات المصرية الصينية، وتؤكد أن القاهرة ما زالت تحتفظ بمكانتها المحورية في حسابات القوى الكبرى، سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا، ليس فقط على مستوى الشرق الأوسط، وإنما على امتداد القارة الأفريقية والعالم العربي.
فالزيارة التي تبدأ اليوم وتستمر حتى الثالث من سبتمبر، هي الأولى للرئيس الصيني إلى مصر منذ نحو عشر سنوات، وتتزامن مع احتفال البلدين بمرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، وهي مناسبة تاريخية تضيف إلى القمة المرتقبة أبعادا سياسية ورمزية واستراتيجية بالغة الأهمية.
ولعل اللافت أن الاهتمام بهذه الزيارة لم يقتصر على الدوائر السياسية المصرية والصينية، وإنما امتد إلى مراكز الدراسات ووسائل الإعلام الدولية، حيث اعتبر موقع "مودرن دبلوماسي" الأوروبي أن اختيار القاهرة محطة للزيارة يعكس إدراكا صينيا عميقا للأهمية الجيوسياسية لمصر، باعتبارها حلقة وصل رئيسية بين العالم العربي وأفريقيا، ودولة محورية قادرة على المساهمة في احتواء تداعيات الأزمات التي تضرب المنطقة.
وهنا تكمن أهمية القمة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينج، فهي ليست مجرد لقاء بين رئيسي دولتين تربطهما علاقات تاريخية، وإنما لقاء بين دولتين تملكان رؤية مشتركة تقوم على احترام السيادة الوطنية، ودعم التنمية، وتعزيز التعاون الاقتصادي، والتمسك بالحلول السياسية والدبلوماسية في مواجهة الأزمات الدولية والإقليمية.
مصر بالنسبة للصين ليست مجرد سوق استهلاكية ضخمة، وإنما بوابة استراتيجية إلى أفريقيا والشرق الأوسط، وموقع فريد يربط البحرين المتوسط والأحمر، ويحتضن قناة السويس التي تمثل أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وفي المقابل، تنظر القاهرة إلى الصين باعتبارها قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى يمكن أن تسهم في دعم مسيرة التنمية المصرية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التصنيع، وزيادة الاستثمارات، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.
وتأتي الزيارة في ظل نمو واضح في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث بلغ حجم التجارة المصرية الصينية خلال عام 2025 نحو 20.8 مليار دولار، في مؤشر واضح على عمق المصالح الاقتصادية المشتركة، بينما تتجه القاهرة إلى تعظيم الاستفادة من السوق الصينية، وزيادة الصادرات المصرية وتقليص الفجوة الكبيرة في الميزان التجاري، وخلال النصف الأول من عام 2026، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 11.04 مليار دولار، فيما ارتفعت الصادرات المصرية إلى الصين بصورة كبيرة، وهو ما يؤكد أن هناك مساحة واسعة أمام البلدين لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية من مجرد تجارة قائمة بدرجة كبيرة على الواردات إلى شراكة إنتاجية واستثمارية تقوم على التصنيع المشترك وزيادة الصادرات.
والأهم أن الاستثمارات الصينية في مصر أصبحت تمتد إلى قطاعات استراتيجية، خاصة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومشروعات الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية ومكونات السيارات والنقل، وهو ما يمنح الشراكة بعدا تنمويا يتجاوز الأرقام التقليدية للتبادل التجاري.
وتحمل القمة أيضا رسائل مهمة بشأن مستقبل الاستثمار الصيني في مصر، في ظل وجود آلاف الشركات الصينية العاملة في السوق المصرية، إلى جانب مشروعات جديدة قيد الدراسة والتنفيذ، بما يعكس ثقة متزايدة في الاقتصاد المصري وموقعه وقدرته على أن يكون قاعدة إنتاج وتصدير للأسواق الأفريقية والعربية.
ومن هنا فإن القاهرة تستطيع أن تدخل القمة وهي تملك أوراقا قوية، في مقدمتها الموقع الجغرافي، وقناة السويس، والمنطقة الاقتصادية، والسوق المحلية الكبيرة، والقوة البشرية، والبنية الأساسية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة كبيرة، فضلا عن العلاقات المصرية المتوازنة مع مختلف القوى الدولية.
ولا تقتصر أهمية القمة على الاقتصاد والاستثمار، وإنما تمتد إلى ملفات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والنقل والقطارات الكهربائية والتصنيع، وهي ملفات تمثل جوهر المنافسة الدولية في السنوات المقبلة.
كما يمثل ملف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا أحد المجالات الواعدة التي يمكن أن تشهد نقلة نوعية في التعاون بين القاهرة وبكين، خاصة في ظل امتلاك الصين خبرات متقدمة في التكنولوجيا الرقمية والصناعات الذكية، ورغبة مصر في التحول إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والابتكار وخدمة الأسواق الأفريقية والعربية.
أما على الصعيد السياسي، فإن القاهرة وبكين تملكان مساحة واسعة للتنسيق بشأن أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وتداعيات الحرب في غزة، إلى جانب التطورات المتسارعة المرتبطة بإيران والأمن الإقليمي وأمن الملاحة والطاقة.
وتزداد أهمية هذا التنسيق في ظل حالة السيولة السياسية التي تشهدها المنطقة، حيث تحتاج القوى الدولية والإقليمية إلى أصوات عاقلة قادرة على الدفع باتجاه التهدئة والحوار والحلول السياسية، وهي مساحة تتحرك فيها مصر بقوة، كما تسعى الصين إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي كقوة دولية تدعم التسويات السياسية وتوسيع التعاون مع دول الجنوب العالمي.
وتلتقي الرؤية المصرية مع الصينية في أهمية عالم متعدد الأقطاب، وفي ضرورة أن تكون للدول النامية مساحة أكبر في صياغة القرارات الدولية، وهو ما يجعل التعاون بين القاهرة وبكين ممتدا إلى تجمعات ومؤسسات دولية واقتصادية مثل بريكس ومبادرة الحزام والطريق والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
والحقيقة أن زيارة الرئيس شي جين بينج إلى القاهرة تؤكد أن مصر أصبحت رقما صعبا في المعادلة الدولية، وأن السياسة المصرية القائمة على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لقوة واحدة تمنح القاهرة قدرة أكبر على الحركة وتحقيق مصالحها الوطنية.
كما أن هذه الزيارة تؤكد أن العلاقات المصرية الصينية لم تعد مجرد علاقات دبلوماسية عمرها سبعة عقود، وإنما أصبحت شراكة استراتيجية شاملة تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والطاقة والنقل والتكنولوجيا والسياحة والسياسة والأمن.
إن القمة المصرية الصينية المرتقبة على أرض القاهرة تحمل في مضمونها رسالة واضحة، مصر دولة محورية، والصين قوة عالمية، واللقاء بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينج يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة، يكون عنوانها الرئيسي "المصلحة المتبادلة"، ويكون هدفها تحقيق التنمية والاستقرار وتعظيم المكاسب للشعبين المصري والصيني.
وفي الذكرى السبعين للعلاقات المصرية الصينية، تبدو القاهرة وبكين أمام فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة أوسع من الشراكة، ومن تبادل السلع إلى صناعة المستقبل، ومن المشروعات المنفردة إلى بناء منظومة متكاملة للتنمية والاستثمار والتكنولوجيا.
إنها بالفعل قمة كبيرة على أرض القاهرة، ليس فقط بحجم الضيف القادم من بكين، وإنما بحجم الملفات المطروحة، وحجم الرسائل السياسية والاقتصادية التي تحملها، وبحجم الدور الذي تؤكده هذه الزيارة لمصر باعتبارها رمانة ميزان إقليمية، وشريكا استراتيجيا للصين، وبوابة رئيسية نحو أفريقيا والعالم العربي.
كاتب المقال السيد محمود الشريف نقيب السادة الاشراف ووكيل مجلس النواب الاسبق

















.jpeg)





